توفيت إلى رحمة الله ورضوانه الفقيهة نفيسة بنت العلامة محمد السالك الشنقيطي، زوجُ العلامة محمد إبراهيم شقرة، وأختُ العلامة أحمد السالك. نفيسة، وهي نفيسة في فطنتها ودأبها على الاجتهاد في العلم، وصبرها على إكرام الناس والسعي إلى الإصلاح.
علاقتي بالأسرة الشنقيطية التي أنبتتها قديمة، كعلاقتي بأبي مالك شقرة، وسبب هذه العلاقة صحبة والديَّ رحمهما الله للأسرتين. لقد كان الشيخ محمد السالك أحد شيوخ الوالد المقربين إلى قلبه ووجدانه، وكان أبو مالك شقرة صديقًا عزيزًا، وكان كلا الشيخين يختلف إلى محلّ الوالد قرب المسجد الحسيني بوسط عمّان، عندما يكون للشيخ السالك درس بعد إحدى الصلوات في المسجد، وعندما يكون لأبي مالك درس الجمعة أو خطبتها، حيث يكون المحل مفتوحًا قبل الصلاة، ودام هذا الحال سنوات عديدة.
ومما رسخ في وعيي ذكرُ أم مالك نفيسة النفيسة رحمها الله حادثةٌ رواها لي الوالد رحمه الله ولم أحضرها. ذهب أبو مالك لإلقاء درس الجمعة في المسجد، وترك أم مالك عندنا في المحلّ، وكانت منشغلة بمعاينة بعض البضاعة، إذ كان يجلس شيخٌ فقيهٌ صوفيٌّ مكلف بخطبة الجمعة ينتظر أن يذهب بصحبة الوالد إلى المسجد. وقد فتح الوالد المذياع فظهر صوت أبي مالك رحمه الله يدرّس، وقد كانت شعائر الجمعة تُنقل في الإذاعة من الحسيني عادة. فما كان من الفقيه الصوفي رحمه الله إلا أن أنكر على والدي أن يستمع لرجل «لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم» حسب قوله، نظرًا لاختلاف الشيخين في المنهج، ولم يكن يعلم من تكون المرأة الموجودة على بعد أمتارٍ منه.
سمعت أم مالك كلمات الشيخ فأوجعتها، لكنها — وهي الجريئة القيادية بطبعها — أبت أن يمرّ الموقف دون أن توقّع على قلب الشيخ توقيعًا يترك أثره. اقتربت من مكان جلوس الشيخ وبادرته بالقول: يا شيخ، إن الرجل الذي تصفه بأنه يكره الرسول صلى الله عليه وسلم هو زوجي منذ ما يزيد على عشرين سنة، وإني أشهد أنه يذكر الرسول فيخضب لحيته بالدموع خشوعًا لذكره، وإنه ليقوم الليل حتى لا تقوى قدماه على حمله. يا شيخ، أليس الأولى بكم أن تجتمعوا وتناقشوا خلافاتكم بدل أن يغتاب بعضكم بعضًا؟
لا تسلني عن موقف الشيخ عندها، ولقد مضى الجميع إلى رحمة الله: أبو مالك، والفقيه الصوفي، وأم مالك، وأبي، ويبقى خالدًا موقف أم مالك الفقيهة الجريئة الذكية، الغيورة على دينها، الوفية لزوجها، المكرِمة لتلاميذه.
لقد كتبت مقالًا في صحيفة الدستور قبل سنين طويلة يؤرخ لهذه الحادثة، فلقيني الشيخ أبو مالك بعدها وكانت أم مالك بصحبته، فقال لي رحمه الله: هذه هي صاحبتك التي كتبت عنها مقالك، وضحك، وضحكت أم مالك رحمهما الله.
عن أم مالك شقرة ومثيلاتها من النساء الفقيهات الألمعيات يجب أن نكتب، ليظل ذكرهن خالدًا في الأجيال، فقد أتعبنا فسوق كثير من نساء العصر الشهيرات بخروجهن من حدود كل فضيلة، فلا أقل من أن يرى الجيل ويسمع بسيرة المؤمنات الفاضلات المجاهدات لتثبيت الفضيلة على أرض الواقع.
رحم الله فقيدتنا أم مالك شقرة، وعوّض الأمة خيرًا بفقدها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(البوصلة)



