أسيرات فلسطين سلام عليكن (بورتريه)

أسيرات فلسطين سلام عليكن (بورتريه)

البوصلة – أحمد عبد القادر

أيا أم الأسير سقاك غيث

                  بكره منك ما لقي الأسير

إذا ابنك سار في بر وبحر

                  فمن يدعو له أو يستجير

لله درك أبا فراس الحمداني، وأنت تخاطب أم الأسير، مترفقا بحالها، جابرا لكسرها، غير أني أعذرك أن لم يدر في خلدك أن تخاطب الأسيرة ذاتها، فهذا مما لم تألفه، ولم تجر به كلمات الشعراء السابقين.

عدونا فاجر، لا معنى للإنسانية في قاموسه، بل لا يعترف بغير بني دينه، ويخرج غيرهم عن دائرة الإنسان. وتاريخه مع الرسل والأنبياء ملؤه التكذيب والتنكيل والقتل وسائر الأذيات.

كثير ما أنتجه الطوفان خيرا ونصرا وعزا، غير أن فرحة تحرير الأسيرات لا تعدلها فرحة، ولا تقاربها نتيجة.

مما استقر في ثقافة الفلسطينيين ووعيهم أن المرأة لها مكانة خاصة، لا تعرف الامتهان، ولا تغادر منزلها إلا غبا، هي مرآة الشرف، ونطاق العرض.

حرائر فلسطين تجرعن الأسر منذ استولت العصابات الصهيونية على أرض فلسطين، التي لم تفرق في ذلك بين طاعنة في السن وصغيرة، ولا صحيحة أو مريضة، عالمات وقائدات أعمال ورائدات مجتمع وعضوات في المجلس التشريعي، كلهن وغيرهن في الأسر سواء.

المحتل فهم أن المرأة الفلسطينية ثائرة مجاهدة، أو تربي المجاهد الثائر، أو تخلفه في أبنائه؛ لذلك فهي كمثله في تحمل أرزاء الأسر وأثقاله.

نحو عشرين ألفا من الفلسطينيات تجرعن مرارة الأسر، ابتداء من أسيرة القدس فاطمة برناوي حتى محررات صفقة الطوفان.

كن جديرات أن ينقلن ساح السجن إلى بؤرة الصراع مع السجان المجرم، الذي رام أن يكسر إرادتهن، وينال من عزيمتهن، فما وجد منهن إلا الصبر والثبات على المبادئ، والعمى عن أي تفريط في الحقوق.

عانين من التعذيب بشتى أنواعه، والإهمال الطبي المتعمد، والحرمان من الزيارة، والحبس الانفرادي، والتجويع، والتعطيش، والنقل التعسفي بين السجون، والحرمان من الحاجات الشخصية، والسب والشتم بأقذع الألفاظ، والتجاوز على أبسط الحقوق المعروفة في أنظمة السجون،  إلا أن أصعب ما واجهنه أن يؤذين في حجابهن، وأن تخدش خصوصيتهن الأنثوية.

الفلسطينية علامة فارقة في المقاومة، والتصدي للمحتل الغاصب؛ إذ حملت السلاح في وجهه، وقدمت الأبناء شهداء على درب التحرير، وأعانت بالمال، ودافعت بالإعلام، وعلمت الجيل، وأحسنت التربية، وغرست مبادئ الدين، ورعت القيم.

لك أن تستمع للغزية التي فقدت العائلة والمنزل؛ لتصيب شيئا من فهم طبيعة التكوين، وأبعاد التربية والإعداد العجيب، فلا تجد إلا أنهن صنعن على مائدة القرآن وفي محاضنه.

أيتها الأسيرات الماجدات سلام عليكن سواء كنتن في الأحياء أو الأموات؛ فتاريخ نضالكن أمضى من كيان هش مصطنع، أذاقه أبطال السابع شر هزيمة، وهزه حتى حشاشته.

نستذكركن في يوم تحريركن، في صباح يليق بجهادكن، وضاءات الوجوه، مشرقات النفس، صابرات، محتسبات، خرجتن لتكملن طريق العزة والتحرير، ولتؤدين واجب التنشئة والتربية، الذي رأى العالم بأس أولادكن، وهم يمرغون العدو، ويوجهون له الضربة تلو الأخرى.

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email