حلبيّ المولد والنشأة، تدرّج بالعلم، حتى غدا مفتي أرض الشّام، خليفة لكفتارو. ويا ليته أبقى نفسه في فقه العبادات والمعاملات والأحوال، ونبغ فيها، أو علّمها النّاس وطلبة العلم، بل تعداها إلى ما لا يحسنه من أمور الفتيا، وقضايا الحكم، وأحوال السلطان.
فجيعة الأمّة بالعالِم لا تجبر، فهو يوقّع عن ربّ العالمين، خصوصاً إن كان عليم اللسان، كيف وإذ به يتحوّل أداة في يد نظام البطش والقتل والاغتصاب والتهجير والفساد.
لم يكن مطلوباً منه ولا متوقعاً أن يأخذ موقفاً مثل مواقف ابن حنبل أو ابن تيمية، لكن كان يسعه كفّ الأذى عن الناس، أو السكوت، أو الرحيل، أو أيّ اختيار حتى لو كان محايداً، هو إذ كان فعل ذلك، سيعدّ متخاذلاً جباناً، لكنه لن يحسب في خلد السورين ظالماً أو قاتلاً أو مستَخدماً أو معيناً على الجرائم كافّة، وما أخزاها من إعانة، ليست بمدية، ولا برصاصة، ولا بدلالة، ولكنها بآية وحديث! واعجباه!
أيّ معنى أو خاطرة كانت تمرّ عليه وهو يدرّس في جامع عمّار بن ياسر، الذي لقي ما لقي رفقة سميّة وياسر على يد كفار قريش.
أيّ ذكرى كانت تمّر بخاطره وهو يخطب في جامع الأمويين، الذي كان قلب دولة عظيمة علماً ورخاء وأمناً، ووريثة حضارة مشهودة.
وأيّ فهم سيطر عليه، إذ تطأ قدماه مواضع مسّتها جيوش الصحابة وقوافلهم، وهناك مرّوا فاتحين، معلمين للناس الخير.
كم خانك الاجتهاد! وأضاعتك الدنيا، وخدعك السلطان، الذي لم ينتسب إلى الأمّة إلا لمماً، فخسرت أرفع وساماً يقصده العلماء أن يكونوا ورثة الأنبياء.
يا ابن بدر الدين، ما الذي أذنبه السوريّون حين طالبوا بالعدل والحرية؟، أو عندما خرجوا هاتفين ضد الفساد؟، أيّ جريمة اقترفوها؟ حتى أصبحوا خوناً، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم.
أيّ مسوّغ ديني أو خلقي أو قانوني أو بشريّ يعطي الحقّ لمن كنت له موالياً أن يقصف النّاس بالبراميل المتفجرة تارة وبالطائرات أخرى وبالقذائف تارات وتارات!
أيّ مسوّغ ديني أو خلقي أو قانوني أو بشريّ يعطي الحقّ لمن كنت موالياً له أنّ يقذف بالناس في غيابات السجون وأقبيتها لعشرات السنوات! أو تشريدهم في العراء وفي كلّ أصقاع الأرض.
لو أبادوك؛ إذ جاهرت مرّة، فغضبت أخرى عند اغتصاب حرّة من حرائر الشّام، وما أكثر ما حصل، ما كنت مكافئاً بذلك.
أسهل ما على جوقة السلطان وعلمائه أن يتهموا الناس باطلاً وزوراً بأنّهم متآمرينعلى البلد، ليوفروا مبرر “دعوني أقتل موسى”.
يا ليت مسلمي سوريا حظوا بكلماتك في الكنيسة أو عند الأعاجم وبينهم، لكنّها إرادة الله النافذة في كلّ شيء.
سقط النظام، وسقطت معه، كما سقط كلّ أدعياء العلم الكاذب، وبقيت الشّام، وعاد عليها العلماء الصادقون، تستقبلهم قلوب المحبين المشتاقين، وتحتضنهم منابر المساجد، وتحبهم الأرض حبها للغيث، بل هم الغيث.
أحمد عبد القادر -البوصلة



