تحلّ اليوم الموافق الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري الذكرى الخامسة عشرة لتنفيذ صفقة “وفاء الأحرار”، التي أُبرمت عام 2011 بين حركة المقاومة الإسلامية “حماس” والاحتلال الإسرائيلي، وأفضت إلى الإفراج عن أكثر من ألف أسير وأسيرة فلسطينيين، مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أُسر في قطاع غزة عام 2006.
وشكّلت الصفقة، التي جرت بوساطة مصرية، إحدى أبرز عمليات تبادل الأسرى بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، بعدما شملت الإفراج عن 1027 أسيرًا وأسيرة فلسطينيين، بينهم أسرى أمضوا سنوات طويلة في السجون، وآخرون كانوا يقضون أحكامًا بالسجن المؤبد لمدد متعددة.
ونُفذت الصفقة على مرحلتين؛ أُفرج في الأولى عن 477 أسيرًا في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، فيما أُفرج عن 550 أسيرًا في المرحلة الثانية في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه.
وكان الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق قد جرى في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، بعد مفاوضات شاقة، فيما أُطلق اسم “وفاء الأحرار” على الصفقة فلسطينيًا، في إشارة إلى الإفراج عن الأسرى مقابل شاليط، الذي عاد إلى “إسرائيل” بعد أكثر من خمس سنوات من أسره.
مهندس الصفقة
وارتبطت صفقة “وفاء الأحرار” باسم القيادي في حركة “حماس” أحمد الجعبري، الذي وُصف بـ”مهندس الصفقة”، لدوره المحوري في إدارة المفاوضات غير المباشرة مع “إسرائيل”، ومتابعة تفاصيلها حتى إتمام الاتفاق.
وكان الجعبري، بصفته نائب القائد العام لـ”كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة “حماس”، قد أشرف على عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، وتولى لاحقًا دورًا رئيسيًا في المفاوضات التي استمرت سنوات، بوساطة مصرية.
وفي الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2011، ظهر الجعبري علنًا وهو يرافق شاليط إلى الجانب المصري، في مشهد مثّل اللحظة الأبرز لتنفيذ المرحلة الأولى من الصفقة.
ولم يمهل الاحتلال الإسرائيلي القائد الجعبري طويلًا بعد إتمام الصفقة؛ إذ اغتالته غارة جوية استهدفت سيارته في مدينة غزة يوم 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، في بداية العدوان الإسرائيلي الذي عُرف باسم “حجارة السجيل”.
أسرى من مختلف الفصائل ومناطق فلسطين
وضمّت قوائم المفرج عنهم أسرى من الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، إلى جانب أسرى أُبعدوا إلى الخارج أو نُقلوا إلى قطاع غزة بموجب ترتيبات الصفقة.
كما شملت الصفقة أسيرات فلسطينيات، وأسرى من أصحاب الأحكام العالية الذين كانت قضيتهم محورًا رئيسيًا في المفاوضات.
وأعادت الصفقة إلى عائلات فلسطينية أبناءها بعد سنوات طويلة من الانتظار، وشهدت مناطق عدة استقبالًا شعبيًا للمحررين، فيما مثّلت عودة الأسرى إلى أسرهم حدثًا واسع الحضور في الحياة الفلسطينية، في ظل استمرار ملف المعتقلين في السجون الإسرائيلية وما يرتبط به من مطالبات بالإفراج عنهم.
إعادة اعتقال عدد من المحررين
لكن الإفراج عن الأسرى لم ينهِ معاناة جميعهم؛ إذ أعادت سلطات الاحتلال الإسرائيلي اعتقال عشرات من محرري الصفقة، ولا سيما خلال حملة الاعتقالات التي أعقبت اختفاء ثلاثة مستوطنين قرب الخليل جنوبي الضفة عام 2014.
وأعادت “إسرائيل” فرض أحكام سابقة على عدد منهم، ما أعاد قضية المحررين إلى واجهة ملف الأسرى الفلسطينيين.
وفي صفقة تبادل الأسرى التي أُبرمت ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مطلع عام 2025، أُفرج مجددًا عن عدد من الأسرى الذين سبق أن تحرروا في صفقة “وفاء الأحرار” ثم أُعيد اعتقالهم، ومن بينهم أسرى أمضوا عقودًا في السجون قبل الإفراج عنهم للمرة الأولى عام 2011.
استشهاد محررين في الحرب على غزة
ولم تقتصر تداعيات الصفقة على إعادة اعتقال عدد من الأسرى المحررين، إذ استشهد عدد منهم خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023، في تطور أعاد تسليط الضوء على مصير الذين أُفرج عنهم بموجبها.
ففي تموز/ يوليو 2025، أفادت تقارير باستشهاد ستة أسرى فلسطينيين محررين في غارات إسرائيلية استهدفت خيامًا للنازحين في وسط القطاع ومواصي خان يونس جنوبا، خمسة منهم كانوا قد أُفرج عنهم في صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بالصفقة الشهيد يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” سابقًا، الذي أفرجت خلال الصفقة، بعد أن أمضى نحو 22 عامًا في سجونها.
واستشهد السنوار في اشتباك مع القوات الإسرائيلية في قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، بعدما تولّى قيادة الحركة خلال الحرب.
وتأتي الذكرى الخامسة عشرة للصفقة في وقت لا يزال فيه ملف الأسرى من أبرز القضايا الفلسطينية، وسط استمرار الاعتقالات الإسرائيلية، ومطالبات فلسطينية بالإفراج عن المعتقلين، وتسليط الضوء على أوضاعهم داخل السجون، بما يشمل الأسرى القدامى وأصحاب الأحكام العالية.
وبعد خمسة عشر عامًا على تنفيذها، تبقى صفقة “وفاء الأحرار” محطة مفصلية في تاريخ عمليات تبادل الأسرى، كما تعكس تعقيدات هذا الملف، بين الإفراج عن أعداد كبيرة من الأسرى في إطار اتفاقات التبادل، واستمرار الاعتقالات وإعادة اعتقال بعض المحررين، بما يجعل قضية الأسرى حاضرة في المشهد الفلسطيني رغم مرور السنوات.



