لم يكن الزواجُ يومًا مشروعَ ديونٍ ولا حلبةَ استعراض، كان أخفَّ ما يكونُ وأطهرَ ما يكون؛ كلمةُ رجلٍ، ورضا قلبٍ، ودعوةُ صادقٍ يقول: باركَ اللهُ لهما، فيُفتحُ بيتٌ وتُبنى أسرةٌ وتُسترُ أعراض. كان خفيفًا فبُورك ومُيسَّرًا فسُتِر وكان للهِ فدام، ونحنُ الذين أثقلناهُ حتى كسرنا ظهرَهُ ونزعنا بركتَهُ.
كان الناسُ يذهبونَ إلى الجاهةِ وقلوبُهم معلَّقةٌ بالسترِ لا بالصور، ليُطمئنوا قلبَ أبٍ سَهِرَ الليالي على ابنته وليجبروا خاطرَ أمٍّ كانت تدعو أن تراها في بيتِ الستر. كانت مجلسَ وقارٍ وشهادةِ حقٍّ لا مجلسَ رياءٍ واستعراض، كلمتُها ميزانٌ ونيَّتُها زادٌ، والفاتحةُ إذا قُرئت بخشوعٍ اهتزَّ لها المكان. كنّا نذهبُ بعددٍ قليلٍ وقلوبٍ كثيرة واليومَ صرنا نذهبُ بعددٍ كثيرٍ وقلوبٍ قليلة، وفجأةً انقلبَ الميزانُ، صرنا نذهبُ لا لنُطمئنَ قلبَ الأب بل لنُبهرَ عينَ الناس، فصارت الجاهةُ تُقاسُ بعددِ السياراتِ لا بهيبةِ المجلس وببريقِ المظاهرِ لا بصدقِ النيّات.
وانقلبَ معها ميزانُ التقدير، فلم نعد نزنُ الرجالَ بصدقِهم وحكمتِهم صرنا نزنُهم بألقابِهم، صارت عظمةُ الجاهةِ تُقاسُ بلقبِ مَن يتكلَّمُ فيها هل هو صاحبُ دولة أم معالي أم عطوفة، وصار لزامًا أن يُردَّ عليه بمثله وإلا كانت إهانة، فأحرجنا الناسَ وحوَّلنا كلمةَ السترِ إلى استعراضِ ألقاب. وبهذا البابِ وجدَ كثيرٌ من المسؤولينَ السابقينَ والحاليينَ ضالَّتَهم ليعودوا إلى الأضواءِ بكلمةٍ محفوظةٍ لا يطلبُها سترٌ وإنما تُطلبُ لذاتِها ليُقالَ ترأسها فلان.
وكانت الوليمةُ في أصلِها عبادةٌ تُؤدَّى وشكرٌ للهِ على نعمةٍ جمعَ بها قلبين، يدٌ تمتدُّ بلقمةٍ حلالٍ لتفتحَ فمًا يدعو باركَ اللهُ لهما، وكانت تلك الدعوةُ هي زادَ البيتِ الحقيقي. كانت قليلةً فباركَ اللهُ فيها لأن القليلَ إذا كان خالصًا للهِ كفى وكثُرت بركتُه، وكانت محفوظةً لأنها نعمةُ الله. أما اليوم فقد انتزعنا روحَ العبادةِ وتركنا جسدَ العادة، صرنا نُطعمُ العينَ قبلَ البطن ونُرضي الكاميرا قبلَ الضيف ونقيسُ الكرمَ بكمِّ ما يُرمى لا بكمِّ ما يُؤكل.
بل انظر إلى أين وصلَ البذخ، صرنا نُقيمُ الولائمَ في الفنادقِ ذاتِ الخمسِ نجوم ونستأجرُ المطربينَ وأحيانًا المطربات وتُضاءُ القاعاتُ بآلافِ الدنانير ويُدفعُ للمغني في ليلةٍ واحدةٍ ما يكفي لإطعامِ عائلاتٍ لشهور، وفي الوقتِ نفسِه آلافُ الفقراءِ حولَنا يتضوَّرونَ جوعًا يسمعونَ ضجيجَ حفلاتِنا وبطونُهم خاوية، فأيُّ كرمٍ هذا الذي يُطربُ الأغنياءَ ويُجيعُ الفقراء وأيُّ شكرٍ هذا الذي يبدأُ بالإسرافِ وينتهي بالحسرةِ والديون.
والجاهةُ الثقيلةُ، الثقيلةُ بمن يرأسُها وبعددِ السياراتِ ونوعِها، والوليمةُ المُهيبةُ لا تبقيانِ في القاعة بل تدخلانِ مع العريسِ إلى بيته، نحنُ اليومَ لا نفرحُ بما نملك نفرحُ بما نستدين، نفرحُ ليلةً واحدةً بمالِ سنتين لنشتريَ نظرةَ إعجابٍ لا تبقى ساعتين ثم نحملُ ثمنَها همًّا يسكنُ معنا سنوات.
ولو عُدنا إلى الأصلِ لوجدنا الميزانَ الذي وضعهُ الشرعُ لم يتغير، قال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً” رواه أحمد وابن حبان.
وإذا أردنا بيوتًا تبقى فعلينا أن نملكَ شجاعةَ التيسير، شجاعةُ أن تقولَ لجاهةٍ كبيرةٍ عذرًا يكفينا خمسةُ رجالٍ بقلوبٍ صادقةٍ يقولونَ كلمةَ الحقِّ ويدعونَ دعوةَ الصدقِ وينصرفون، فالجاهةُ ليست موكبًا يُستعرضُ في الشارع بل أمانةُ كلمةٍ وشهادةُ ستر. وشجاعةُ أن تقولَ لوليمةٍ يُرادُ لها أن تكونَ حديثَ المدينة عذرًا تكفينا مائدةٌ مستورةٌ يأكلُ فيها الفقيرُ والغنيُّ وتُحفظُ فيها النعمةُ ويخرجُ منها الناسُ بدعوةٍ باركَ اللهُ لهما.
البيوتُ لا تُبنى بكثرةِ الحضورِ ولا بعلوِّ الصخب، بل بخفَّةِ المؤونةِ وصدقِ النيَّة، فما قلَّت مؤونته عظُمت بركتُه، وما أُثقلَ بالتباهي ضاقَ بأهلِه ولو اتَّسعت جُدرانُه.
وباركَ اللهُ بمن حوَّلَ بوصلتَهُ فاختصرَ الجاهةَ وخفَّفَ الوليمةَ وخصَّصَ ما كان سينفقُهُ على المظاهرِ والمطربينَ لإطعامِ الجوعى في غزة، فأطعمَ بطنًا جائعةً وسترَ أسرةً مُتعبَةً وكتبَ لزواجِهِ بدايةً لا تُنسى عندَ اللهِ قبلَ الناس، هذا هو الكرمُ الحقيقي وهذه هي الوليمةُ التي تَبقى لأنها وُضعت في بطنٍ جائعٍ فصارت دعوةً لا تُرد.
يسِّروا يُيسِّرِ اللهُ لكم وخفِّفوا يُخفِّفِ اللهُ عنكم وابدؤوا بتيسيرٍ لتعيشوا ببركة.


