من المعروف أن المعيار الأساسي لقياس قوة المؤسسات والمنظمات الدولية وتقيييم فعاليتها لا يقوم على قدرتها وفعاليتها في القيام بمهامها في الأوقات العادية أو الطبيعية، ولكنها تنبني على الطريقة التي تواجه بها تلك المؤسسات الأزمات والأوضاع الاستثنائية المضطربة. ففي الأزمات تنكشف طبيعة السلطة، وتتجلى حدود القانون، ويظهر الفارق بين العدالة كقيمة، والشرعية كبناء مؤسسي. ولذلك، بمقدورنا القول أن التصويت على عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، لا يشكل مجرد واقعة إدارية تتعلق بمصير مسؤول دولي وبالحياة اليومية لمنظمة دولية قضائية، فهو يثير سؤالًا يتجاوز الشخص والواقعة في آن واحد. وهذا السؤال هو كيف تحافظ المؤسسات والمنظمات القضائية الدولية على مشروعيتها عندما تصبح هي ذاتها محلًا للمساءلة؟
لا يتعلق هذا السؤال بإثبات مسؤولية كريم خان أو نفيها، فذلك أمر تحكمه الوقائع والإجراءات القانونية، كما أنه لا ينطلق من موقف مؤيد أو معارض للمحكمة الجنائية الدولية. إنما ينصرف إلى تحليل الكيفية التي يعمل بها القانون الدولي باعتباره نظامًا مؤسسيًا، وإلى الآليات التي تمكنه من الحفاظ على سلطته الرمزية حتى في أكثر اللحظات التي تهتز فيها الثقة بمؤسساته.
لقد اعتاد الفقه القانوني أن يقدم القانون الدولي باعتباره منظومة من القواعد والالتزامات والاختصاصات. وهذه حقيقة لا خلاف عليها، لكنها لا تكفي لتفسير سبب احتفاظ المؤسسات والمنظمات الدولية بقدر كبير من الشرعية رغم ما تتعرض له من أزمات وانتقادات متكررة. فالقانون لا يستمد قوته من النصوص وحدها، وإنما كذلك من قدرته على ضمان الثقة العامة في مؤسساته وتعزيزها، ومن نجاحه في إقناع المجتمع الدولي بأن تلك المؤسسات ما تزال تعمل وفق قواعد مستقرة وقابلة للتطبيق.
ومن هنا يمكن فهم ما أسميه الهندسة القانونية للشرعية؛ أي العملية التي لا تكتفي فيها المؤسسات والمنظمات الدولية بتطبيق القانون، بل تعيد، من خلال القانون ذاته، إنتاج الأساس الذي تستمد منه مشروعيتها. فالتحقيقات، ولجان المراجعة، وإجراءات المساءلة، والتصويت، والبيانات الرسمية، ليست مجرد أدوات للوصول إلى قرار، ولكنها – من وجهة نظري – جزء من منظومة أوسع تؤدي وظيفة مزدوجة تتضمن في آن معًا معالجة الأزمة من جهة، وإعادة ترميم الثقة بالمؤسسة من جهة أخرى.
ولذلك فإننا نلمس دائمًا أن الإجراءات في القانون الدولي تتحول إلى أكثر من وسائل قانونية؛ حيث أنها تصبح خطابًا لغويًا تتحدث به المؤسسة أو المنظمة الدولية إلى العالم، لتؤكد أن النظام لا يزال قادرًا على تصحيح اختلالاته من داخله، وأن الأزمة، بدل أن تكون دليلًا على انهياره، غدت دليلًا على امتلاكه آليات للمراجعة الذاتية.
لا تكتسب واقعة عزل كريم خان أهميتها التحليلية والتفسيرية، من كونها تتعلق بشخص يشغل منصب المدعي العام، للمحكمة الجنائية الدولية، بل من كونها تكشف الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات والمنظمات القضائية الدولية مع الأزمات التي تمس مشروعيتها. فمحل الاختبار هنا قدرة المؤسسة على إقناع المجتمع الدولي بأن آلياتها ما تزال كافية للحفاظ على الثقة في نظامها القانوني، وليس شخص المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ذاته. تطرح هذه المقاربة بوضوح سؤالًا أكثر عمقًا مفاده هل تكفي قدرة المؤسسة أو المنظمة الدولية على إدارة أزماتها لإثبات عدالة النظام الذي تمثله؟
بغية الإجابة على هذا السؤال، ينبغي علينا التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان في الخطاب القانوني، وهما الشرعية والعدالة. فالشرعية الإجرائية تعني احترام الاختصاصات والقواعد والآليات المقررة، أما العدالة الموضوعية فتتعلق باتساق تطبيق القانون، ومساواة جميع المخاطبين بأحكامه، واستقلاله عن اعتبارات القوة والسياسة. وقد يلتقي المفهومان أو يتقاطعان، لكن أحدهما لا يستلزم الآخر. فقد تكون المؤسسة منضبطة من الناحية الإجرائية، بينما يظل الجدل قائمًا حول مدى عدالة النتائج التي تتوصل إليها.
فالسؤال الحقيقي الذي تثيره هذه الواقعة لا يتعلق بصحة الإجراءات المتبعة في إقالة كريم خان فحسب وإنما بما إذا كانت تلك الإجراءات كافية بذاتها لإقناع المجتمع الدولي بأن العدالة قد تحققت. فسلامة المسار القانوني لا تعني دائمًا حسم النقاش حول سلامة المآل.
تبدو أزمة كريم خان – من وجهة نظرنا – في أحد وجوهها، مناسبة لإعادة التفكير في العلاقة بين القانون والسلطة. فالمؤسسات الحديثة تمتلك قدرة كبيرة على الفصل بين الأفراد والبنى التي يعملون داخلها؛ إذ يمكن أن يتغير الأشخاص بينما تبقى المؤسسة محافظة على استقرارها، لأنها تمتلك آليات لاستيعاب الصدمات وإعادة إنتاج توازنها. فمساءلة مسؤول يعمل في مؤسسة أو منظمة دولية – على سبيل المثال – لا تعني بالضرورة مراجعة المنظومة التي يعمل في إطارها، كما أن تغيير القيادات لا يعني تلقائيًا التنازل عن المنطق الذي يحكم المؤسسة. أو استبداله بمنطق آخر.
ولعل هذه النقطة تقود إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في فلسفة القانون الدولي المعاصر، وهي أن فعالية المؤسسات والمنظمات الدولية لا تقاس فحسب بقدرتها على إصدار الأحكام أو تطبيق القواعد، ولكنها تقاس كذلك بقدرتها على المحافظة على الثقة التي تمنح تلك الأحكام والقواعد معناها. فالقانون، مهما بلغت دقة نصوصه وضبط صياغاتها، يظل بحاجة إلى شرعية اجتماعية وسياسية تجعله مقبولًا لدى المخاطبين به، وهذه الشرعية لا تتولد تلقائيًا، وإنما تبنى وتصان ممارسات مؤسسية مستمرة.
من المستقر في فلسفة القانون الدولي المعاصرة أن الإجراءات القانونية تؤدي وظيفتين تنظيمية ورمزية. فهي تكشف عن حقيقة أن المؤسسة أو المنظمة الدولية ما تزال قادرة على إخضاع ذاتها للقانون الذي تطبقه على غيرها، وأنها تمتلك من داخلها وسائل مراجعة أخطائها وتصحيح مسارها. ومن هذه الزاوية، لا تكون الإجراءات مجرد وسائل للوصول إلى القرار، ولكنها تغدو جزءًا من الشرعية التي يستند إليها القرار ذاته.
ولا ينبغي أن تحجب هذه الحقيقة حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الشرعية الإجرائية ليست غاية في ذاتها. فإذا تحولت الإجراءات إلى المعيار الوحيد لكمال النظام القانوني، انفصل القانون تدريجيًا عن الغاية التي وجد من أجلها. فالغاية من وراء القانون ليست تكثير الإجراءات، وإنما تحقيق العدالة من خلالها، ولا تقاس قيمة المؤسسة بعدد الآليات التي تمتلكها كما يعتقد كثيرون، لكنها تقاس فعليًا بقدرتها على توظيف تلك الآليات لتحقيق تطبيق منصف ومتسق للقانونز
يتبين لنا من التحليل السابق أن النقاش الذي أثارته واقعة كريم خان يتجاوز حدود المحكمة الجنائية الدولية، لأنه يعيد طرح سؤال يتكرر كلما واجهت مؤسسة أو منظمة دولية أزمة داخلية، وهو هل يكفي أن تعمل الآليات وفق ما تقرره اللوائح، أم أن الشرعية ذاتها تظل محل مراجعة إذا بقيت العدالة موضع خلاف؟
إن هذا السؤال لا يخص المحكمة الجنائية الدولية وحدها، وهو يمتد إلى بنية النظام القانوني الدولي بأكمله. فكل مؤسسة أو منظمة قضائية دولية تحتاج إلى الحفاظ على ثقة المجتمع الدولي، لكن هذه الثقة لا تبنى بالإجراءات وحدها، وإنما بالاقتناع بأن القانون يطبق وفق معيار واحد، وأن العدالة لا تختلف باختلاف أطراف النزاع أو موازين القوة أو الاعتبارات السياسية.
ولهذا فإن النقد البنّاء للمؤسسات وللمنظمات الدولية لا يبدأ بالدعوة إلى هدمها، كما لا ينتهي بتبرير كل ما يصدر عنها، بل يتم من خلال نقد الأسس التي تقوم عليها شرعيتها. فالقانون الذي يرفض مراجعة ذاته يفقد، مع مرور الزمن، أحد أهم مصادر قوته، أما القانون القادر على إخضاع مؤسساته للنقد، فإنه يمتلك قدرة أكبر على تجديد شرعيته وتعزيز الثقة به.
الواقع أن واقعة إقالة كريم خان تذكرنا بأمر مهم مؤداه أن القانون الدولي ليس مجرد مجموعة من النصوص، ولا مجرد شبكة من المؤسسات، ولكنه كذلك بناء متواصل ومنتظم للشرعية. وهذه الشرعية لا يجري اختبارها أو فحصها في أوقات الاستقرار أو في الأوقات العادية بقدر ما يتم ذلك في لحظات الأزمات، حين تجد المؤسسة ذاتها مطالبة بإثبات أن ما تطبقه على الآخرين قادر أيضًا على تنظيم شؤونها الداخلية. فالقيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في نتائجه المباشرة، لكنها تكمن في الأسئلة التي يثيرها حول العلاقة بين الشرعية والعدالة، وبين الإجراء والغاية. فالقانون الدولي لا يفقد مشروعيته عندما يواجه أزمة، وإنما يفقدها عندما يصبح نجاحه في إدارة الأزمة بديلًا عن الإجابة عن الأسئلة التي أوجدت العدالة من أجلها.
إن مستقبل القانون الدولي لن يتحدد بعدد المعاهدات المعقودة، ولا بعدد المحاكم التي يتم إنشاؤها، ولا حتى بصرامة الإجراءات المتبعة، وإنما بقدرته على تضييق الفجوة بين الشرعية والعدالة. فكلما بقيت الإجراءات وسيلة لخدمة العدالة، بقيت الشرعية مصدرًا للثقة. أما إذا تحولت الطقوس المؤسسية إلى غاية مستقلة عن الغاية الأخلاقية للقانون، فإن المؤسسة قد تنجح في الحفاظ على انتظامها ووجودها، لكنها تخاطر بأن تفقد الأساس الذي يمنح ذلك الانتظام معناه. وهنا تكمن المفارقة التي تكشف عنها واقعة إقالة كريم خان؛ فالقوة الحقيقية للقانون الدولي لا ينبغي قياسها بقدرته على إدارة أزماته فحسب، بل بقدرته على أن يجعل من كل أزمة فرصة لتعزيز العدالة، لا مجرد مناسبة لإعادة إنتاج الشرعية. فحين تصبح الطقوس أهم من العدالة، يظل القانون قائمًا بوصفه نظامًا مؤسسيًا، لكنه يبدأ في فقدان الرسالة الأخلاقية التي تمنحه، في نهاية المطاف، سبب وجوده.



