محللون: غزة تواجه انهيارًا بنيويًا متعدد الأبعاد يتجاوز تداعيات الحرب

محللون: غزة تواجه انهيارًا بنيويًا متعدد الأبعاد يتجاوز تداعيات الحرب

تتجاوز الأزمات التي يعيشها قطاع غزة حدود التداعيات المباشرة للحرب، لتكشف عن واقع أكثر تعقيدًا يتمثل في انهيار متعدد الأبعاد طال البنية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والسياسية.

ويرى محللون أن ما يشهده القطاع اليوم لا يمكن اعتباره أزمة عابرة يمكن احتواؤها عبر الإغاثة الإنسانية، بل هو نتاج حصار طويل وسياسات إسرائيلية ممتدة أسهمت في تفكيك مقومات الحياة، في ظل غياب أي أفق سياسي لمعالجة جذور الأزمة.

يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين إن ما يجري في غزة تجاوز حدود الكارثة الإنسانية أو الأزمة الاقتصادية الطارئة، ليصل إلى ما يمكن وصفه بـ”الانهيار البنيوي المركب”، الذي طال ركائز المجتمع والاقتصاد ومؤسسات الحكم في آن واحد.

ويضيف، في حديث لـ”قدس برس”، أن هذا الواقع لم يتشكل بشكل مفاجئ، بل هو حصيلة حصار إسرائيلي طويل الأمد، صُمم لإنتاج حالة استنزاف تدريجي شملت الغذاء والمياه والموارد المالية والقدرات الاقتصادية، وصولًا إلى وضع باتت فيه الانفجارات المتتالية نتيجة شبه حتمية لتراكم الضغوط.

ويشير شاهين إلى أن غزة تعيش حالة أقرب إلى “الدولة المعلّقة”، إذ لا تمتلك القدرة الكاملة على أداء وظائفها الطبيعية، وفي الوقت ذاته لم تصل إلى مستوى الدولة المنهارة بالمعنى التقليدي.

ويضيف أن القطاع يخضع لما يصفه بـ”هندسة سياسية إسرائيلية” تستهدف إنهاك المجتمع، وتعطيل الاقتصاد، وإضعاف البنية الاجتماعية، بما يجعلها أكثر هشاشة أمام أي صدمات جديدة.

ويلفت إلى أن البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة تعكس حجم الكارثة الإنسانية، في ظل تفشي الجوع والفقر، وانهيار المنظومة الصحية، وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي، وتعطل العملية التعليمية، إلى جانب استمرار القيود على دخول المساعدات والوقود.

ويؤكد أن هذه المؤشرات لا تعكس مجرد أزمة إنسانية، بل تشير إلى عملية تفكيك ممنهجة لمقومات الحياة المدنية وتجريد المجتمع من أدوات بقائه.

ويشير شاهين إلى أن أخطر ما يميز المشهد في غزة هو الترابط العضوي بين الأزمات المختلفة، حيث تغذي كل أزمة الأخرى ضمن دائرة مغلقة؛ فالأزمة الإنسانية تُنتج أزمة اقتصادية، والأزمة الاقتصادية تؤدي إلى اختلالات اجتماعية، تعيد بدورها إنتاج الأزمة الإنسانية.

ويصف هذه الحالة بما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ”تأثير الدومينو البنيوي”، حيث يؤدي انهيار قطاع إلى انهيار قطاعات أخرى، ما يجعل غزة نموذجًا واضحًا لهذا النوع من الانهيار المركب.

ورغم قتامة المشهد، يؤكد شاهين أن الحديث عن وصول غزة إلى “نقطة اللاعودة” لا يتسق مع منطق التاريخ، موضحًا أن الحصار هو سبب سياسي قابل للإزالة وليس قدرًا دائمًا.

لكنه يرى أن الإشكالية الأساسية تكمن في استمرار المجتمع الدولي في إدارة الأزمة عبر المساعدات الإنسانية، بدلًا من معالجة أسبابها الجذرية المرتبطة بالاحتلال والحصار.

ويضيف أن القطاع يعيش اليوم ما يمكن وصفه بـ”هدنة مع الكارثة”، إذ يقف على حافة انفجار دائم قد يتجدد في أي لحظة مع استمرار الإغلاق وتعطيل الإعمار وغياب الحلول السياسية.

ويخلص إلى أن أزمات غزة لم تعد مجرد تداعيات للحرب، بل أصبحت حالة تفكيك بنيوي متداخل نتجت عن الحصار الطويل والعدوان والسياسات الممنهجة، ما يجعل القطاع أقرب إلى “برميل بارود” إنساني وسياسي، حيث إن أي تأخير في معالجة الأسباب الجذرية يمثل تأجيلاً لانفجار جديد يصعب التنبؤ بتداعياته.

من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة بغزة، إياد القطراوي، إن الأزمات الاقتصادية والسياسية والإنسانية في القطاع هي نتاج تراكمات تاريخية طويلة أفرزت حالة من الهشاشة البنيوية.

ويضيف، في حديث لـ”قدس برس”، أن الحصار الممتد، وتراجع فرص التنمية، والانقسام السياسي، وتكرار جولات التصعيد، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة، جميعها عوامل تراكمت عبر سنوات طويلة، ولا يمكن التعامل معها كأزمات آنية أو ظرفية.

ويشير إلى أن ما يجري في غزة يعكس أزمة أعمق مرتبطة بانسداد الأفق السياسي وتآكل مقومات الاستقرار، موضحًا أن تفاعل هذه العوامل جعل أي تصعيد جديد يتحول سريعًا إلى أزمة شاملة.

ويؤكد أن الواقع الحالي يمثل انفجارًا لتراكمات سياسية واقتصادية وإنسانية ممتدة، أكثر من كونه حدثًا مفاجئًا، في ظل غياب مسار سياسي حقيقي يعالج جذور الصراع لا مجرد آثاره الإنسانية.

(قدس برس)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email