اليوم وبعد أن بدأت مقالا ملأته بالألغاز شعرت بالخجل، إذ لا يحسن برجل يرتدي الجبة واللفة وينتسب إلى العلم الشرعي الشريف أن يوارب أو يرمّز خائفا أو متوجّسا من نتيجة صراحة هي أمانة عند أمثاله، اليوم أشعر بالحاجة إلى أن يكون كلامي مباشرا وشديد الوضوح وأنا أرى خصوم الإسلام في أشدّ حالات وضوحهم بل وقاحتهم في رمينا عن قوس واحدة ، حين أرى وأسمع زعيم الصهيونية المعاصر ورديفه الأب الحنون والحاضن المخلص يعلنان بشكل صريح عداءهما للإسلام وإصرارهما على اجتثاث آثاره والحكم على دعاته بأنهم ألدّ الخصوم وأخطر الأعداء.
اليوم نستمع إلى الإمام الشافعي وقد سئل: إذا اشتدت الفتنة فكيف نعرف الحقّ؟ يقول: اتبع سهام الباطل فإنها تدلّك على أهل الحقّ.
لقد أوحت قوى الشرّ كلها إلى أوليائها في الأرض أن يحاربوا الحقّ وأهله فرموهم عن قوس واحدة، حتى غدا كثير من ضعفاء القلب واليقين يختبئون خلف أصابعهم ويدرؤون عن أنفسهم شرور الأحداث بالتقيّة التي لم تكن دينا لأهل الحق في أي زمان.
في هذه الأيام نحن المدافعين عن ثوابتنا الإيمانية لا نحتاج أن نرتدي جلابيب الأغيار فإنها لن تغيّر نظرة خصومنا إلينا، نحن نؤمن بالرياضة ورساليّتها ، ولكننا لسنا بحاجة إلى إثبات ذلك عبر ارتداء ألبسة الرياضيين ، نحن نؤمن بضرورة الحفاظ على أمن الأمة من محيطها إلى خليجها ، وهذا ديننا ، ولكنا لسنا بحاجة إلى تسحيج ولا مداهنة ممجوجة تقنع الناس بنا ، نحن نؤمن بضرورة الحاجة إلى وحدة الأمة واستقرار نظامها السياسي ، لكننا لسنا بحاجة إلى الخروج عن أدبياتنا بتبرير أي سلوك والدفاع عن أي ميل استراتيجي أو تكتيكي.
والله لو صبغنا طرقاتنا بالعسل وطوّبنا جبال الذهب في الدنيا بأسماء خصومنا ما ركنوا إلينا ولا حالوا بيننا وبين حياة كريمة باختيارهم ، وما لنا من سبيل إلى حياة كريمة إلا بالثبات على ثوابتنا والتمسك بأدبياتنا ، ونحن لا نريد أن نقاتل الناطور ، بل نريد أن نطعم الناس عنبا، فليكن معلوما لكل خصومنا أننا لسنا مجرد أشخاص ، بل نحن فكرة أسس لها المصطفى بترك قدوات تحيا في وجدان الأمة حتى قيام الساعة ، نحن نبت طاهر لبذور أراد لها عليه الصلاة والسلام أن تنمو نموا طبيعيا لا تشوبها مبيدات ولا تدعمها محسّنات مستوردة ، و”نحن” هنا تعني كل مسلم غيور على دينه مؤمن بأصالة أمته عارف بتدبير عدوه ، وأن ما أخرجه اليوم عن صمته أنه بدا مضطرا لأن يحفر قبره بيده منذ السابع من أكتوبر اليوم الذي صار ما بعده غير الذي قبله.
إنها نصيحة مخلص إن شاء الله ، فيا كل من يتناوله وصف “نحن” أنتم مدعوون لتكون أشد وضوحا في الدفاع عن أصالتكم من أي وقت مضى ، ويا كل الأغيار أصلاء ووكلاء لا تحاولوا حجب الشمس فانه بات لا ينكر سطوعها إلا أعمى البصر والبصيرة ، “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.
(البوصلة)



