حظر النشر في الأردن.. بين سطوة السرية وغياب الشفافية

حظر النشر في الأردن.. بين سطوة السرية وغياب الشفافية

حظر النشر

عمان – البوصلة

يستمر الجدل في الأردن كلما فُرض حظر على النشر في قضية تشغل الرأي العام، وتُطرح الأسئلة ذاتها في كل مرة: ما مشروعية هذا الحظر؟ وما حدوده القانونية؟ وكيف ينعكس على حرية الإعلام وحق المواطن في المعرفة؟

وفي هذا السياق قرر رئيس النيابة العامة، القاضي نايف السمارات، حظر نشر أي معلومات تتعلق بالقضية التحقيقية رقم 828/2025 والمعروفة باسم قضية التسمم الكحولي، اعتبارا من الأربعاء.

وجاء القرار استنادا لأحكام المواد 225 من قانون العقوبات والمادتين 38 و 39 من قانون المطبوعات والنشر.

ووجه المدير العام لهيئة الإعلام بشير المومني، تعميما للعمل بمضمون القرار القضائي والتقيد بعدم نشر أي معلومات تتعلق بهذه القضية أو مجريات التحقيق فيها أو نشر أو إعادة نشر أو تداول أي صور أو فيديوهات تتعلق بهذه القضية، علما أن الحظر يشمل وسائل التواصل الاجتماعي وفقا لمنطوق القرار.

النطاق الزمني والمضمون غير واضحين

وتسود حالة من الغموض كلما أصدرت النيابة العامة قرارًا بمنع النشر، ويُطلب من وسائل الإعلام الامتناع عن تغطية تفاصيل القضية “حتى إشعار آخر”، دون توضيح للنطاق الزمني أو مضمون الحظر.

وفي ظل غياب المعلومة الرسمية، يتسرب الخبر من قنوات غير مهنية أو مجهولة، ويضيع الخط الفاصل بين الحقيقة والإشاعة.

ما هي المواد القانونية التي تنظّم حظر النشر في الأردن؟

منح المشرّع الأردني الجهات القضائية صلاحية حظر النشر من خلال عدد من القوانين، أبرزها المادة 39 من قانون المطبوعات والنشر، التي تمنع نشر محاضر التحقيق قبل إحالة القضية إلى المحكمة، ما لم تأذن النيابة العامة. كما تمنح المادة ذاتها القاضي صلاحية السماح أو المنع من نشر محاضر الجلسات العلنية.

تدعم هذه المادة فكرة حظر النشر المؤقت، لكنها لا تبرر التوسع في تطبيقه على قضايا تهم المجتمع بشكل واسع. فبمجرد وصول القضية إلى المحكمة، تصبح الجلسات علنية، ويعود للصحافة حق النشر ما لم يصدر قرار استثنائي بإجراء المحاكمة سرًا.

أضاف قانون العقوبات الأردني من جهته مادة أخرى تُجرّم نشر وثائق التحقيق أو جلسات غير علنية، هي المادة 225، والتي تنص على فرض غرامة مالية بحق المخالفين. كما ينص قانون انتهاك حرمة المحاكم لعام 1959 على عقوبات أكثر تشددًا، تصل إلى السجن لمن ينشر تفاصيل جلسات مغلقة أو سرية، حتى وإن كانت المعلومات صحيحة.

في السنوات الأخيرة، أدخل قانون الجرائم الإلكترونية مفاهيم جديدة على المشهد القانوني، وربط النشر الإلكتروني، حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بمخالفات قد تصل إلى الجرائم، خصوصًا حين يُنظر إلى المحتوى باعتباره تشهيرًا، أو مساسًا بهيبة القضاء، أو تهديدًا للسلم المجتمعي.

ما هي العقوبات المترتبة على خرق حظر النشر؟

لا تتوقف العقوبات عند الغرامات المالية، بل تتوسع بحسب نوع المادة القانونية التي تُطبَّق. تفرض المادة 225 من قانون العقوبات غرامة تتراوح بين 5 و25 دينارًا على من ينشر وثائق التحقيق دون إذن. ورغم أن هذه العقوبة تبدو محدودة، إلا أن القوانين الأخرى تُشدِّد الإجراءات.

يتعامل قانون انتهاك حرمة المحاكم مع خرق الحظر على أنه مساس بهيبة المحكمة، ويمنح القاضي صلاحية الحكم بالسجن لمدة تصل إلى سنة وغرامة مالية أعلى. وفي حال جرى النشر عبر الإنترنت، تدخل مواد قانون الجرائم الإلكترونية لتُحوّل القضية إلى جنحة أو حتى جناية، خاصة إن رأت المحكمة أن المحتوى المنشور يؤثر في مجريات العدالة أو يُحرّض على جهة قضائية.

تعرّض بعض الصحفيين في السابق للمساءلة القانونية على خلفية نشر مواد مُتعلّقة بقضايا محظور النشر فيها، حتى إن كانوا قد اعتمدوا على مصادر مفتوحة أو معلومات عامة. وتُبقي السلطات القانونية الباب مفتوحًا أمام التقدير القضائي، ما يضاعف من حالة الحذر في غرف التحرير ويُعطّل الدور التوعوي للإعلام.

بين الخبر والتعتيم… المواطن في مرمى الغموض

أثار تكرار فرض حظر النشر على قضايا حساسة ردود فعل مجتمعية واسعة، إذ يُحرم المواطن من الاطلاع على حقيقة ما يجري، بينما تنتشر الروايات غير الرسمية على نطاق واسع.

في مثل هذه الأجواء، يتراجع ثقة الجمهور بالإعلام المحلي، وتزداد الفجوة بين الناس والمؤسسات.

أدى غياب التغطية المهنية في بعض القضايا إلى تفشي المعلومات الخاطئة والمحرّفة، وإلى تعزيز نظرية “الإخفاء المتعمد” لدى البعض، حتى وإن كانت الجهات القضائية تسعى لحماية العدالة. وبينما تُطبّق السلطات الحظر بصيغته الصارمة، تغيب أي بدائل توضيحية للرأي العام، فلا بيانات رسمية، ولا ملخصات صحفية، ولا حتى توجيهات واضحة لوسائل الإعلام.

آراء قانونية متباينة… وخلاف حول الحدود

يصف المدعي العام السابق حمزة شقير حظر النشر بأنه أداة ضرورية في بعض الحالات، لكنه يحذر من استخدامه دون ضوابط واضحة.

ويدعو إلى أن يترافق الحظر مع بيانات إعلامية دورية تُطلع الناس على المستجدات العامة دون المساس بسير التحقيق.

يرى شقير في تصريحات صحفية أن انتفاء مبرر السرية مع بدء المحاكمة يجب أن يؤدي إلى رفع الحظر تلقائيًا، امتثالًا للدستور الذي يكفل علنية المحاكمات. ويعتبر أن التوسع في الحظر يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تراجع الثقة بالمؤسسات العدلية.

أما الخبير الإعلامي والقانوني نضال منصور فيعبّر في تصريحاته صحفية، عن قلقه من تحوّل حظر النشر إلى أداة لإخفاء الحقيقة أكثر من كونه وسيلة لحماية التحقيق.

ويؤكد أن القضايا العامة، مهما كانت حسّاسة، يجب ألا تُعالج بالتعتيم، بل بالحضور المهني للصحافة، مع احترام الضوابط القانونية والخصوصية الفردية.

الحاجة إلى توازن تشريعي وشفافية مؤسسية

يفرض الواقع الإعلامي المعاصر مراجعة جدية لمفهوم حظر النشر وحدوده. لم تعد سياسة “التعتيم الكامل” ممكنة في زمن السرعة الرقمية والمصادر المتعددة، ولم يعد من المنطقي أن يُغلق باب المعلومات بقرار إداري أو قضائي دون بدائل مهنية.

تكمن الحاجة اليوم في صياغة تعليمات تنفيذية دقيقة تُحدّد متى يبدأ الحظر ومتى ينتهي، وما الذي يُعدّ انتهاكًا له وما الذي لا يُعد كذلك. ويُفترض بالمؤسسات القضائية أن تطوّر أساليب تواصلها مع الصحافة، لا أن تكتفي بإصدار أوامر المنع.

كما تقع على عاتق نقابة الصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولية رصد الحظر حين يتحول إلى أداة قمع، والدفاع عن حق الناس في المعرفة، والتأكيد على أن العدالة لا تكتمل في الظلام.

بين سرية التحقيق وعلنية العدالة

يقف حظر النشر في الأردن عند نقطة تقاطع دقيقة بين مبدأ سرية التحقيق وحق الناس في علنية العدالة. وبينما تسعى السلطات القضائية لحماية قضاياها، يجب أن لا يُنسى أن الإعلام شريك في ترسيخ الثقة لا خصم في قاعة المحكمة.

يتطلب المستقبل الصحفي في الأردن تشريعًا أكثر توازنًا، وإرادة سياسية واضحة تحترم حرية التعبير وتؤمن بأن الشفافية جزء من العدالة، لا تهديد لها.

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email