تابعت مؤخرا حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس للإعلامي فيصل القاسم بعنوان (القضية الفلسطينية إلى أين) استضاف فيها اللواء فايز الدويري والإعلامي اللبناني نضال السبع ، ويصلح أن تكون أظهر عبارة وردت في الحلقة على لسان الدويري يخاطب السبع : (نحن من مدرستين مختلفتين) ، وقد ظهر مصداق هذه العبارة في دقائق الحلقة كلها ، فالسبع يرى في طوفان الأقصى هزيمة منكرة للفلسطينيين وقضيتهم بعد هذا الكمّ الهائل من الشهداء والجرحى وبعد التدمير شبه الشامل للعمران ، والدويري يرى في الطوفان نصرا للقضية التي اشتعل ذكرها في العالم وخاب سعي العدوّ لتغييبها عن الساحتين العربية والعالمية ، مع ملاحظة أن الحرب غير المتكافئة لا يُنظَر فيها إلى خسائر الطرف الضعيف ولكن إلى مدى ثباته ، فإن انجلى غبار المعركة عن الفصيل الضعيف وهو حي يتنفس هواء الحرية فهو منتصر يُحسَب له ثباته وعدم غرقه في وحل عدوه .
حمّل السبع المقاومة الغزيّة المسؤولية كاملة عن قرارها ببدأ المواجهة بينها وبين العدو الصهيوني ، وهناك جملة أمور بعضها لم يفطن إليها اللواء الدويري في رده على شبهات السبع وبعضها لم يشأ أن تُسجّل عليه لمقامه الحساس على شاشة الجزيرة ولخلفيّته العسكرية التي علّمته أن يكون حذِرا لا يقامر مقامرة الصحفيين في التصريحات .
وممّا لم يقله الدويري لمُحاوِرِه :
١) أن المواجهة فُرِضت على المقاومة التي حصلت على معلومات استخباراتية تفيد بأن الصهاينة يعدّون العدة لهجوم كبير على قطاع غزة لفرض أمر واقع جديد في ساحة الصراع القديم ، ولقد أضافت المعطيات بعد شهور عديدة من بدء الطوفان أن الصهاينة كانوا يتلقّوْن التشجيع والحثّ من أطراف عديدة على أن يمضوا قُدما في قتلهم وتدميرهم بل أن يستعجلوا فيهما .
٢) أن من بركات الطوفان تنغيصه على العربان الذين كانوا في مراحل تفاوضية متقدمة لإتمام عملية تطبيع كامل بينهم وبين الصهاينة ، فجاء الطوفان ليبين قبيح مخططاتهم من جهة ، وليوقف تطبيقها في العلن .
٣) أن مشروع الطوفان كان رابحا بامتياز لو قررت الدول العربية أن تنصر قضية فلسطين بالانحياز إلى أوجاع الأمة وجراحها الملتهبة ، ولكن الأمة فُجعت بانحياز القرار الرسمي العربي إلى غير صفّ المقاومة عمليّا ، وهي التي تملك كل ما يؤهلها لكسر شوكة الصهاينة ولا ينقصها حتى اللحظة إلا أن تقرّر .
٤) وعندما طلب الصحفي السبع أن يكون أحد الحلول بدل الحلّ العسكري تقوية منظمة التحرير ، ترحّمت على التنظيم والتحرير معا ، فقد كانا ضحية أوسلو ، وقد كنت محتارا بين البكاء والضحك ، أبكي مما اختاره المحاربون القدامى لأنفسهم من انتحار وتصفية للمؤسسات الجهادية ومنها منظمة التحرير التي خُلِقت للتحرير ، فلا يمكن إعادة إحيائها على مقاسات هذا التحرير بعد أن تحولت منظمة التحرير إلى مجرد “ممثل” كومبارس ، وأضحك من كل من يُصِرّ على الحديث عن منظمة التحرير خيارا بديلا عن المقاومة والكفاح المسلّح الذي أماتته أوسلو هو الآخر .
ولعله لا يُطلب من اللواء الدويري أكثر مما قال ، لكن التفاهم بين مدرستين إحداهما مادية بحتة والأخرى فيها للقِيَم والمشاعر والقناعات الروحانية نصيب وافر ، لكن على تلاميذ المدرسة المادية أن يعلموا أن المادة إلى زوال وأن القِيَم والشعائر وعقيدة الأمة لا تموت أبدا .
(البوصلة)



