زياد ابحيص
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

مقاومة الضفة الغربية: النهضة الثالثة

زياد ابحيص

شهدت الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967 نهضتان سابقتان للمقاومة قابلتهما حملتان تاريخيتان لإجهاضها، أما النهضة الأولى فكانت بانتــفاضة الحجارة المباركة في 1987 وأخذت شكل الفعل الشعبي الشامل الذي تشكلت قيادات جماهيرية وطنية وإسلامية لاستدامته وتنظيم وتيرته، وكانت آفاق المقاومة  فيها متاحة لمن أراد بمجرد خروجه من باب منزله: فرفع علم فلسطين مقاومة، وإحراق العلم الصهيوني مقاومة، والشعار على الجدار مقاومة، ورمي الحجر مقاومة، والإضراب التجاري مقاومة

في مقابل هذا الفعل المــقــاوم مفتوح الآفاق جاءت محاولة الإجهاض الأولى بإعادة رسم الجغرافيا السياسية للضفة الغربية عبر اتفاق أوسلو، بوضع معظم الكتلة السكانية الفلسطينية تحت إدارة فلسطينية، وإبقاء معظم الجغرافيا الزراعية تحت السيطرة الصهيونية الشاملة وتحويلها إلى مساحة خصبة للاستيطان والهيمنة؛ في المحصلة بات رمي الحجر لا يصيب جندياً إلا في مساحات اشتباكٍ محدودة، وبات رفع علم فلسطين عملاً عادياً فكل مقرات السلطة ترفعه، وبات الإضراب تعطيلاً للاقتصاد الفلسطيني مع كونه بأسره ملحقاً بدائرة الاقتصاد الصهيوني، فأُغلقت بذلك آفاق الفعل الشعبي مع تكليف السلطة الفلسطينية بمهمة أمنية لتتولى أمر المجموعات التي “تطول أيديها” إلى الأهداف الصهيونية التي باتت خارج التناول الشعبي القريب

لم يلبث المجتمع الفلسطيني أن تأقلم مع الوضع الجديد، ومضى إلى نسخة جديدة من نهضة المقاومة  في انتــفاضة الأقصى عام 2000، فوّض بموجبها إمكاناته البشرية والمادية للتنــظيم الفلسطيني ليتولى التنــظيم ترجمة هذه الموارد إلى اختراقٍ مــقــاومٍ للعمق الصهيوني بالعمليات الاستشهاديةوعمليات القنص وإطلاق النار، من خلال خلايا سرية كانت تنشأ محلياً وترتبط بالتــنظيم قبل أن يلاحقها الاحتلال ويصفيها بالاغتيال أو الاعتقال، وأسهم موقف السلطة بقيادة ياسر عرفات في توفير شرط الحد الأدنى لوجود التنــظيمات بشتى أشكالها فقد كان يعول على العودة إلى العمل المســلح كأحد خيارات تصحيح المسار البائس الذي انتهت إليه مفاوضات أوسلو

رد الاحتلال بمعونة الولايات المتحدة بحملة إجهاضٍ جديدة عنوانها إنهاء التنــظيم الفلسطيني ومنع إمكانية عودته، وارتكزت محاولة الإجهاض إلى أربع أساليب أساسية: الأول تكريس الحواجز وتقطيع الأوصال مع رقابة متكاملة على الطرق الواصلة بين مدن الضفة الغربية بشبكة من الكاميرات وشق طرق موازية مخصصة للمستوطنين حيثما كان ذلك ممكناً، والثاني الاستثمار في نسخة جديدة من الأجهزة الأمنية، نسخة الجنرال الأمريكي كيث دايتون التي تعتبر المقاومة  عدوها المركزي الأوحد ولا تقبل تسلل المقاومة  إلى صفوفها أو ممارستها كأجهزة كما حصل مع سابقتها، والثالث التوسع في التوظيف في أجهزة السلطة وتوسيع دائرة المصالح المجتمعية المرتبطة بها مع التوسع في القروض والإنفاق الاستهلاكي، والرابع اتخاذ “الانقسام” بوابة لضرب أي تنــظيم فلسطيني مــقــاوم، مع تحويل بنية فتح بإقصاء العناصر التاريخية المقاومة  منها واختصار فتح بكونها “حزب السلطة”، وبذلك أتم الصهاينة إغلاق الأبواب أمام أي تنــظيم فلسطيني مــقــاوم

في مواجهة ما أنتجته هذه الحملة من واقعٍ معقد، نشهد اليوم تأقلماً فلسطينياً جديداً يؤسس للنهضة التاريخية الثالثة للمقاومة: بتأسيس الكــتائب المحلية المــقــاتلة العابرة للانتماء الأيديولوجي والفصائلي، والمرتكزة إلى جغرافيا مكتظة تتمتع بالسماكة السكانية الكافية التي تجعل اقتحامها مستعصياً على الجيش الصهيوني بل ومستعصياً على أجهزة دايتون أيضاً، ومن هنا عاد المخيم إلى الواجهة لأنه الجغرافيا التي تحمل هذه الإمكانات، فضلاً عما يحمله من إرثٍ للشهادة والمقاومة ، وانضمت إليها البلدة القديمة في #نابلس؛ ولم يكن غريباً إذن أن يكون مخيم جنين أول هذه الأنوية المحلية المــقــاتلة نشأة في 6-9-2021، أي قبل ثلاث سنوات فقط من هذه الهجمة الصهيونية الشرسة على الضفة الغربية

كما هو متوقع بالطبع بدأت هجمة الإجهاض التاريخية الثالثة بالاجتياحات المتتالية لبؤر المقاومة  هذه، وبمحاولة تصفية قادة الكــتائب ومقــاتليها واستنزاف هذه الكتــائب الناشئة قبل أن تراكم القوة وتنتشر رغم أن الاحتلال شن حملة الإجهاض هذه منذ الأيام الأولى، فقبل 7 أكتوبر كان قد شن عملية واسعة أسماها “بيت وحديقة” في شهر 7-2023 على مخيم #جنين، فإن هذه الكتــائب المحلية سبقته حتى الآن في التحديين: في تحدي البقاء والتمدد رغم ضريبة الدم واليوم تخوض كتــيبة جنين المعارك في الذكرى الثالثة لتأسيسها، وفي تحدي التمدد والانتشار رغم الملاحقة فوصلت إلى جنين المدينة وعدد من قراها وإلى طولكرم ونابلس وطوباس والفارعة وإلى مخيم عقبة جبر قرب أريحا، بل أخذت تمتد إلى قلقيلية المحاصرة وإلى الخليل بكتــيبة بيت أُمَّر، فتحولت الكتيبة عبر تجربة السنوات الثلاث إلى أكثر من عشر كتــائب

هذا التجذر والانتشار سببه أن هذه الكــتائب المحلية ابنة مسار تاريخي لنهضة المقاومة  –كما كانت النهضتان السابقتان- وليست ابنة المحاولة التنـظيمية المحلية فحسب، فاستعادة وعي المقاومة  في الضفة الغربية من بعد انتفاضة الأقصى مرّت بتأسيس الحراك الشبابي في #القدس في 2013 وتفعيل أدوات المواجهة الشعبية في هبة الفتى الشهيد محمد أبو خضير في رمضان 2014 وبانتــفاضة السكــاكين 2015 وبهبة باب الأسباط 2017 وبهبة باب الرحمة 2019 وبمعركة سيــف القدس 2021 التي كانت محطة القطاف الأولى لهذه التجربة ثم بمعركة الاعتكاف في 2023 وأخيراً بطوفان #الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 والذي كان بحق محطة القطاف الثانية في هذه التجربة التي كانت تحاول اجتراح المستحيل إذ تواجه آخر ما توصلت له قوى الاستعمار مجتمعة من رقابة وتضييق أمني ومن هندسة اجتماعية

غير أن هذا المسار الواثق لا يصنع الحتميات، فنجاح هذه الأنوية الجريئة المقــاتــلة في الصمود والتوسع رهنٌ بمقدار ما يوضع فيها من إرادة وما يقدم لها مجتمعها من إمكانات مادية وبشرية، وبما يتغير على عمقها الشعبي ليتيح آفاق احتضانها بعد عقدين من هندسة مصالح المجتمع بالاتجاه العكسي، وهذا يتطلب أن تخرج النخبة من موقع المتفرج المراهن على السباق، ومن حالة ترقب ما إذا كانت هذه التجربة ستنجح أم لا؛ فما دامت هذه النهضة التي أنتجها المسار التاريخي والأمر الواقع على الأرض فليس هناك مجال للاشتراط وانتظار نهضة تلبي طموح النخبة، حتى وإن كان بعض هذا الطموح مشروعاً ومدفوعاً بمحاولة تجويد أداء هذه الكــتائب حرصاً على نجاحها، بل الواجب اليوم النزول إلى الميدان واستغلال هذه النافذة التاريخية بكل طاقة ممكنة، فيكفي أنها ما زالت تُنتظر منذ 20 عاماً؛ فهل نملك رفاه أن نفوتها؟!

(البوصلة)

Related Posts