أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين في تصريحاتٍ خاصةٍ لـ “البوصلة”:
تحولات اقتصادية أعادت تشكيل منظومة القيم الاجتماعية وصعود النزعة الفردية في مجتمعنا
الجريمة تنتقل من الفضاء العام إلى داخل الأسرة الأردنية
التسامح والحوار والمؤسسات المجتمعية خط الدفاع الأول عن المجتمع الأردني
عمان – رائد صبيح
حذّر أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتور حسين محادين، من تداعيات التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع الأردني خلال العقود الماضية، معتبراً أن تراجع القيم الجماعية وصعود النزعة الفردية أسهما في إضعاف الروابط الاجتماعية وزيادة التوترات والعنف داخل المجتمع.
وقال محادين في تصريحاتٍ خاصةٍ لـ “البوصلة:” إن المجتمع، شأنه شأن الإنسان، يتأثر بالمتغيرات المحيطة ويؤثر فيها، مشيراً إلى أن مرحلة ما بعد عام 2000، وما رافقها من توسع لدور القطاع الخاص وتراجع بعض أدوار الدولة الاجتماعية، فرضت أعباءً إضافية على المواطنين وأحدثت تغيرات ملموسة في منظومة القيم السائدة.
وأوضح أن المجتمع الأردني كان يتميز تاريخياً بدرجات عالية من التكافل والتضامن الاجتماعي، حيث لعبت الأسرة الممتدة، وروابط القرابة، وأهل الخير، والقيادات المحلية دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي وإصلاح ذات البين، إلا أن هذه الأدوار شهدت تراجعاً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي النزعة الفردية والشعور بالعزلة الاجتماعية.
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة، وارتفاع تكاليف الحياة، وعدم مواكبة مستويات الدخل لمعدلات التضخم، أسهمت في تعزيز شعور الأفراد بأنهم يواجهون تحدياتهم بصورة فردية، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية والأسرية.
ظاهرة العنف لا تختزل بالأسباب النفسية فقط
وأشار محادين إلى أن تفسير ظاهرة العنف لا يمكن اختزاله بالأسباب النفسية فقط، بل يتطلب النظر إلى منظومة التنشئة الاجتماعية والقيم التي يكتسبها الأفراد منذ الطفولة، متسائلاً عن مدى حضور قيم الحوار والتسامح وقبول الآخر في التربية الأسرية والتعليمية.
وبيّن أن الشخصية الأردنية تتأثر بمجموعة من البيئات والثقافات الفرعية المتداخلة، من البادية والريف والمدينة والمخيم، ما يجعل فهم السلوك الاجتماعي عملية أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والتنموية وتفاوت الفرص بين المناطق المختلفة.
وأكد أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، رغم إيجابياتها، ساهمت في إضعاف العلاقات الإنسانية المباشرة والعلاقات الوجاهية، حيث تحولت كثير من أشكال التواصل وصلة الرحم إلى تفاعلات رقمية مختصرة، كما وفّرت في بعض الحالات وسائل جديدة لارتكاب الجرائم أو التأثر بأنماط سلوكية سلبية.
انتقال العنف لداخل الأسرة هو الأخطر
ولفت إلى أن أخطر ما يلفت الانتباه اليوم هو انتقال بعض مظاهر الجريمة والعنف من المجال العام إلى داخل الأسرة، معتبراً أن اختراق الأسرة وزعزعة استقرارها يمثل تهديداً مباشراً لمنظومة القيم والأمن المجتمعي، وقد يقود إلى تزايد مشاعر الخوف وفقدان الثقة بين الأفراد، حتى داخل الدوائر الاجتماعية القريبة.
وشدد محادين على أهمية ترسيخ قيم التسامح والحوار باعتبارهما من أهم أدوات الوقاية المجتمعية، مؤكداً أن التسامح ليس سلوكاً نابعاً من الضعف، بل قيمة يمارسها أصحاب الوعي والإيمان والنضج الاجتماعي، والقادرون على إدارة الخلافات بعيداً عن العنف.
ودعا إلى تفعيل أدوار المؤسسات المجتمعية المختلفة، بما فيها الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، والقيادات المحلية، وأصحاب التأثير المجتمعي، للمساهمة في تعزيز ثقافة الحوار والوقاية من النزاعات قبل وقوعها.
بين الردع القانوني والضبط الاجتماعي
وفي الوقت ذاته، ثمّن محادين دور الأجهزة الأمنية في حفظ الأمن والاستقرار، مؤكداً أن مواجهة العنف والجريمة تتطلب تكاملاً بين الردع القانوني والضبط الاجتماعي القائم على القيم والتربية والأعراف الإيجابية.
وختم بالتأكيد على أن الحفاظ على الأمن المجتمعي يستند إلى جناحين متكاملين؛ الأول يتمثل في منظومة القيم الداخلية المرتبطة بالدين والتربية والأعراف الاجتماعية، والثاني في سيادة القانون وتطبيقه بعدالة وحزم، معتبراً أن نجاح المجتمع في الموازنة بين هذين الجانبين هو الضمانة الحقيقية لاستمرار حالة الأمن والاستقرار التي يتمتع بها الأردن، رغم التحديات الإقليمية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة.
جديرٌ بالذكر أنّ عددًا من الجرائم التي وقعت داخل عددٍ من البيوت الأردنية وحوادث الانتحار خلال وقتٍ قصيرٍ هزت المجتمع الأردني والرأي العام مع تصاعد الدعوات لمواجهة هذه الجرائم وتسخير كافة الطاقات والإمكانيات بدءا من الفرد في الأسرة الواحدة وجميع مؤسسات المجتمع المدني بما فيها المسجد والكنيسة وكافة المؤسسات المجتمعية والرسمية لإعادة التوازن والاستقرار وقيم التسامح والتكافل بين كافة روابط المجتمع وعلى رأسها الأسرة.
(البوصلة)



