عمّان – البوصلة
سلّطت المستشارة بشرى عربيات في حلقة جديدة من سلسلة أحاديثها التربوية لـ “البوصلة” الضوء على موضوع انتشار الغش في مجتمعاتنا بمختلف القطاعات وتراجع نسب إتقان العمل الأمر الذي أنعكس بشكلٍ سلبيٍ على حياتنا بمجملها، محذرة في الوقت ذاته من أنّ أن هناك جزءاً من القصاص العادل في الدنيا قبل الآخرة سيناله كل من يغشون ابناء مجتمعهم ومن لا يتفاونون في إتقان عملهم بكل ما أوتوا من قوة.
وقالت عربيات: إنَّ لكلِّ شأنٍ من شؤون الحياة درجةً من الدِّقة والإتقان، بحيث من الصعب الوصول إلى درجةِ الكمال – فالكمال للّهِ وحدَه – ولا يمكن أن نقول أن نسبة الإتقان 100% لأيّ شيءٍ نراه أو نسمعُ عنه، ولكن علينا السَّعي لبلوغ درجة عالية من الإتقان، ذلك لأنَّ لكلِّ شيءٍ نسبة، وتناسب.
أيّ نسب نجاح تتحدثون عنها؟
وتابعت حديثها: بما أنني متخصصة في الشأن التربوي سوف أبدأ بمناقشة مخرجات التعليم المدرسي والجامعي لخمسِ سنواتٍ مضت – ليس أكثر – ،لماذا اخترتُ السنوات الخمس الأخيرة؟ وما الذي حدثَ في هذه السنوات؟ كثيرةٌ هي الأحداث، من أهمها جائحة كورونا، والتي نتجَ عنها خلال فترة التعليم عن بُعد فاقداً تعليمياً ما نزالُ نعاني من آثارِهِ السَّلبية، وأقول ” التعليم عن بُعد ” ، وليس ” التعلُّم عن بُعد”.
واستدركت عربيات: ذلك لأنه ليس كل من أُتيحت له هذه الفرصة من الطلبة تعلَّم، بل إنَّ معظم الطلبة كانوا يتابعون – هذا فيما لو تابعوا – تلك الحصص وهم في لباس النوم – وكذلك بعضُ المعلمين والمعلمات – وربما تكون المتابعة عبر الهاتف الخلوي، دون كتابة أي معلومة، ودون توثيق للحصص، ودون حل أسئلة، والحديث يطول.
وأضافت، لذلك من يتحدث عن نجاح هذه التجربة، أسألهم كم بلغت نسبة نجاحها؟ فإذا كانت نسبة كبيرة فلماذا بدأَ العمل في برنامج الفاقد التعليمي منذ انتهاء الجائحة،واستمرَّ حتى اليوم، تُرى كم بلغت نسبة العطاء والأداء مقارنةً بنسب النجاح ؟؟

ونوهت المستشارة التربوية إلى أنّ النتائج تشيرُ إلى أنَّ نسب النجاح – خصوصاً في الثانوية العامة – فاقت وتفوقت على نسب العطاء وذلك لعدة أسباب، أهمها الترفيع التلقائي، والأخطر كان ظهور نمط أسئلة الإختيار من متعدد في ذلك العام واستمرارها حتى اليوم.
وأشارت إلى أنّ نسب النجاح تفوقت على نسب العطاء والأداء، هذه النتيجة تشيرُ إلى خللٍ كبير فيما حدث، وتحتاجُ إلى تفسير وتبرير، ذلك لأنَّ المقدمات الصحيحة تؤدي بالضرورة إلى نتائج صحيحة، لكنها لا يمكن أن تصل إلى 100%، ومع ذلك بدأ معدل المائة في الظهور في امتحان الثانوية العامة منذ ذلك الحين وحتى اليوم!! يا للعجب!
ونوهت بالقول: أضف لما سبق، ما أُطلقَ عليه تطوير المناهج، والذي اختزل مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية بشكلٍ لافت، في المقابل تمَّ حشو المواد العلمية بمعلوماتٍ وأسئلة بأسلوب ” الترجمة والنَّسخ واللَّصق ” من كتبٍ أجنبية، الأمرُ الذي جعل أصحاب القرار يقررون السَّماح باستخدام الآلة الحاسبة في امتحان الثانوية العامَّة، وقد لحق بهذه المرحلة بقية المراحل.
عن أيّ تطوير نتحدث؟
وأوضحت: وإذا أردنا القول عن الترجمة والنسخ تطويراً، أتمنى أن نقتنعَ بهذا التطوير بأساليبٍ علميَّة منطقيَّة، إذ أنَّ الأرقام عادةً ما تكون مدروسة بعناية، سواءً في الكتب المقررة أو في امتحان الثانوية العامة، لكنها لم تكن كذلك نتيجة الترجمة الحرفيَّة!!
وقالت: إذا أردنا القول عن إختزال كتب اللغة العربية تطويراً، أتمنى أن أعرف نبذة عن هذا النوع من التطوير، ربما نفهم آلية هذا التطوير، إذ فرغت كتب اللغة العربية من كثيرٍ من القواعد والنصوص التي تربط الطلبة بلغتهم الأم، فما هي نسبة اللغة العربية والتربية الإسلامية في هذه الكتب؟ ولماذا امتلأت بعضٌ من كتب هذه المباحث بالصُّور بشكلٍ لافت؟
وعبرت عربيات عن اعتقادها أننا لم نكن مظلومين حين درسنا كتب المطالعة والنصوص، قواعد اللغة العربية، النَّقد والبلاغة وغيرها من الكتب التي ساهمت في زرعِ اللغة العربية في ألسنتنا، وبالتالي استطعنا قراءة القرآن بطريقة صحيحة بفضل الله، لكني أحزن على هذه الأجيال التي لا تعرفُ من لغتها إلاَّ قليلا!! يا للأسف!!
وقالت: في السِّياق ذاته هناك نسبة وتناسب في كلِّ شأنٍ من شؤون الحياة، إذ أن نسبة الغِشّ في الخضار والفاكهة أصبحَ واضحاً جداً، إذ بعد أن كانت العائلة تشتري ما تحتاج لأسبوع أو شهر، تقومُ الآن بشراء ما يكفي لأيامٍ قليلة قبل أن يظهرُ العفن على الخضروات حتى لو كانت موضوعة في الثلاجة، من هنا يمكنني القول أن نسبة الغشّ عالية جداً !!
الغش في البناء
وتابعت حديثها بالقول: كذلك الأمر في البناء، إذ عندما يشتري أحدنا شقة لا يلبث المكوث فيها أياماً أو أسابيع، تبدأُ علامات الغشّ في البناء تظهر بوضوح، الأمرُ الذي يجعلنا نقوم بعمليات إصلاح ربما لا تنجح غالباً، إذ كما يقال: لا يُصلحُ العطَّارُ ما أفسدَ الدَّهرُ.
وأضافت: هنا أتوجه لمن يستثمرون في هذا المجال بسؤال: ألا تخشَونَ الله؟؟؟ أتفهم أنكم تبحثون عن هامشٍ من الرِّبح، لكن لكل شيء نسبة وتناسب، إذ من المستحيل أن تكون نسبة الربح 100% !! لكن ما نراه على أرض الواقع تفوق ذلك، إذ ربما لا يرضى البعض بنسبة ربح تقل عن 150%.
ووجهت رسالة للمسؤولين قائلة: من هنا أقترح على الجهات المعنيَّة نصّ قانون يقضي بكفالة العقار ثلاث سنوات على الأقل، بحيث تتم محاسبة صاحب العقار، وهذا الموضوع يحتاج إلى قرارٍ سريع، نتيجةً للتسارع في انتشار بناء الشقق، إذ أنَّ بعض البنايات لا يستغرق بناؤها ستة أشهر!!
ولفتت إلى أنّ الحديث يطول في هذا المجال، لكني أريد الإشارة إلى قطاع السيارت، بيعاً وصيانة، إذ أصبحنا نخشى المفاجآت في هذا المجال، ذلك لأننا لسنا متخصصين ولا نعرف مدى صدق الجهة التي تقدم هذه الخدمات، والتي تستغرقُ أحياناً وقتاً طويلاً بحجة ” الصيانة” وفي المقابل يكون المطلوب مبالغاً طائلة، عندئذٍ يقوم صاحب السيارة بدفع المبلغ المطلوب – مع غصَّةٍ في الحلق – وهو لا يعرف ما الذي حدث في هذه الساعات التي انتظر فيها سيارته!!
لا تنسوا الحساب يوم القيامة
وقالت الخبيرة التربوية: خلاصةُ الأمر أن لكل شيء نسبة وتناسب من الحلال والحرام، مع التأكيد على الجانب التربوي، إنَّ المعلم الذي لا يخلص للمهنة ولا يعطي الطلبة حقَّهم من المبحث، والذي يتنمَّرُ على بعض الطلبة ويقوم بالتمييز بينهم، عليه أن لا يتفاجأ إذا شعرَ أنَّ الراتب يتآكلُ ولا يكفيه، كذلك الأمر المزارع والتاجر وأصحاب العقارات.
وختمت عربيات بالقول: إنتبهوا أيها السَّادة واعلموا أنَّ الظُّلم ظلمات يومَ القيامة، وأنَّ ربُّ العالمين بالمرصاد، كلٌّ منَّا سوف يقفُ يوم الموقف العظيم، وسوف يُسأل عن كلِّ شيء، ومن لا يُلقي لذلك اليوم بالاً أو اهتماماً أقول أن هناك جزءاً من القصاص العادل في الدنيا قبل الآخرة، فلا تحسبوا أنكم ملكتم كل شيء، لأنَّ لا شيءٍ يبقى على حاله، كما يقال:” دوامُ الحالِ من المُحال ” ولا شك أنَّ لكلِّ شيءٍ نسبة، وتناسب!
(البوصلة)


