فعلا لماذا يضيق بعضنا ذرعا بالحراك الشعبي، وهل هناك قرار، بإنها هذا المظهر اليتيم والوحيد -في العالم العربي والإسلامي- من مظاهر التعاطف المستمر، مع الشعب الفلسطيني، والاحتجاج على الحرب الاجتثاثية التي يتعرض لها منذ عام، دون أي فعل رسمي عربي، ولا إسلامي جاد لوقفها؟ !!
ألا يبدو الشعب الفلسطيني فريدا وحيدا، بلا سند شعبي، ولا رسمي عربي حقيقي، طيلة هذه الشهور، إلا من هذا الشعب الأردني المصابر، والمدرك للمخاطر المترتبة على انكساره، واستسلامه لا قدر الله.
أليس هناك شعور حقيقي، بأن هذا الشعب العربي الفلسطيني البطل، أصبح عبئا على الرسمي العربي، ولا يعني له شيئا، وغير مرغوب فيه، بسبب عناده، وما يجره من متاعب، لتشبثه بوطنه، وتمسكه بقضيته وأرضه وحقوقه، بعدما أصبحت خارج دائرة الاهتمام، ما فجر الطوفان، وما جره من تبعات ومخاطر؟!
لو كان الأمر على غير ذلك، لما غابت دور الجامعة العربية، ولا منظمة المؤتمر الإسلامي، عن الساحة، ولما تم ترك الشعب الفلسطيني وحيدا، تحت خطة: الإبادة، أو التهجير، التي يقودها اليمين المتطرف، منذ عام كامل، وبالبث المباشر!!
حراك شعبي سلمي منضبط مسؤول، على مدار ١٢ شهرا، يدخل في دائرة أضعف إيمان من التضامن، لا تنفرد به جماعة، ولا فصيل بل هو تعبير عن ملتقى وتجمع وطني أردني، لم تحدث فيه أي تجاوزات، أو عنف أو خرق للقانون، بدأ يتعرض للشيطنة، والتحذير من استمراره، بذرائع واهية، كإجهاد الأجهزة الأمنية، والخشية مخاطر استغلاله، من قبل جهات مغرضة مندسة، وعابثة تتسلل إليه، وتجره للانزلاق إلى طريق اللاعودة، في ظل محيط ملتهب بالمخاطر، في اسطوانة مشروخة من المبررات!!
هل سنجد بعد هذا التمهيد، من مكونات هذا البلد، من يدفع لوجود مثل هذه المظاهر بالفعل، كي يقال: أرأيتم؟ إن ما حذرنا منه بدأ يحدث، وعلينا أن نغلق الباب أمامه، بالانسحاب من الشارع، ووقف الحراك الشعبي الأسبوعي نهائيا، وبذا يُترك الشعب الفلسطيني في دائرة النسيان، رغم استمرار الحرب عليه، وتوحشها وتوسعها؟!
أليس الأردن ذاته مستهدفا صهيونيا، وهو في دائرة الخطر بالاجتياح أو التهجير القسري، لسكان الضفة إليه، ويراد إسكات صوته وإلغاء تأثيره في هذه القضية؟!
لماذا لا نفعل العكس، فنعزز حالة الاحتجاج الشعبي، ونرفدها، ونوسع مداها، ونستثمر فيها، ونعتبرها رافعة للموقف الرسمي، وورقة ضغط رابحة بيد السياسي والدبلوماسي، في وجه التهديدات التي يطلقها الكيان -صباح مساء- ضد الدولة ومستقبلها وقيادتها؟!
بل لماذا لا نجعلها ورقة ضغط، وإحراج للدول العربية والإسلامية ذاتها، لدفعها للتحرك الجاد، وملء الفراغ الذي تسلل منه آخرون، باتخاذ مواقف حقيقية مساندة للأردن وفلسطين، باعتبارهما حاجز الصد الأول عن السيادة، والتمكين العربي، وهما غير قادرين وحدهما على مجابهة المخاطر، التي لن تتوقف عند وحدودهما، بل ستتعداهما لتشمل أجزاء من مصر والسودان والصومال والجزيرة والعراق وسوريا ولبنان، عبر مخطط شيطاني تقوده أمريكا، عبر وكيلها نتنياهو، خطوة خطوة، لفرض شرق أوسط جديد، على مقاس الخرافات التلمودية، التي يتبناها اليمين المتطرف المتصـهـين، في دولة الكيان والغرب برمته.
أليس هذا أوان وضع الأمة كلها أمام مسؤوليتها الكبرى، في أخطر منعطفاتها التاريخية، وسيسفر تقاعسها عنه، عن دخولها في حقبة جديدة من التبعية، والاستعمار العلني، أو المقنع باتفاقيات إذعان، ربما لا تستطيع الخروج منه، لمئة عام قادمة، لا قدر الله.
أليس في القوم رجل رشيد، يستثمر اللحظة لجعلها فرصة، لبلورة موقف، يفرض على الأرض، واقعا عربيا جديدا، يعيد الاعتبار لصورته المهترئة تماما، في عيون العالم، وعيون شعوبه، وتطلعاتها الخائبة، وهي تدفن رأسها، وتطوي جنبها على بركان غضب وغيظ، من هذا الحال المزري، الذي تظهر به نظمها الرسمية، دون دول العالم، والشلل الذي أصاب جهازها العصبي، في مقتل، وحطم صورتها في الوعي الشعبي والوجدان الجمعي لشبابها، لم يعد قابلا للتجاهل أو الاحتمال؟!
(البوصلة)



