د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

“قال صاحبي”.. والعهدة عليه

د. أحمد داود شحروري

قال صاحبي: وددتُ لو أسكن صحراءَ لم تطأها قدم، وإذا تكلمتُ لم يسمعني فيها أحد؛ لأن في داخلي كلامًا لا أودّ أن أبوح به في زمانٍ أهله يُحاكِمون صاحبَ الكلمة دون سؤالٍ عن نية ولا عن سبب، بل يؤوّلون ما يسمعون، فيضعونه في خانة النية السيئة والقصد الهادم والمآل المشؤوم. وددتُ لو قلتُ؛ لأني إن لم أقل، سمّمتني كلمةٌ خبّأتُها تحت لساني، وأطبقتُ عليها شفتيّ، فتوافرت لها أجواءُ السمّ الناقع، فقتلتني على صمتٍ، ومضت في غياهب الغيب، لم يعرف أحد أنها تحمل لقب “قاتل”.

نعيش زمانًا حُبِّرت فيه قوانين ضدّ البوح، وشُرِّعت فيه أنظمة تحذّر من التبليغ، وجُنِّدت طاقاتٌ تُدرَّب على التجسّس، وتَحرِم الناسَ خصوصياتهم بمسميات الغيرة على “المزرعة”، وتدفع إلى هاوية تضييع الأمانة بذريعة الإخلاص لصاحب المزرعة.

وددتُ لو أسكن صحراء قاحلة، إذا وصفتُ المسؤول العام فيها بما فيه، لم يبعني أحدهم وطنياتٍ تضع المسؤول في قالب نبيّ، وناقده في قالب شيطانٍ رجيم.

وددتُ لو عشتُ في صحراءَ ليس فيها من يُطعم المحتلَّ خبزًا ليقوى على قتل أهلي، ولا أُتَّهَم فيها بمعاداة السامية إن شتمتُ صهيونيًّا، أو تبرّأتُ ممن يتعاطف مع صهيوني، أو يرضى أن يعترف به، أو يقيم معه علاقةً دافئة تزيد من حرارة شهوته للقتل والهدم والتدمير.

وددتُ لو عشتُ في صحراء ليس فيها أمريكا ولا حاكمها؛ إذن فليس فيها تسلّط المال على الإفلاس الماديّ والأخلاقيّ، وليس فيها عربيّ يبيع نفسه بثمنٍ بخسٍ ليرضي أصحاب النفوذ والمال، فيعمل عندهم مُخبرًا صغيرًا، أو عميلًا حقيرًا، أو تاجر مبادئ، أو كلبَ حراسة.

وددتُ لو كان على وجه الأرض صحراءُ لم تسمع بصفاقة أصحاب الطلقة الأولى وهم يتنصّلون من “ثورتهم” القديمة، ويعبدون مكانها بقرةً عاقرًا بلا حليب، ولا يفتأون يتغزّلون برصاصتهم التي ردوها في وجوهنا ألفَ ألفِ مرة، بعد أن أخطأت طريقها باتجاه عدونا الحقيقي.

وددتُ لو أحظى بقطار العمر ليأخذني إلى ملكوت ليس فيه كذب، ولا مداهنة، ولا قلبٌ للحقيقة، ولا تمثيل الصفيق دور الشريف، ولا لُبسُ اللعوب ثوبَ الطهر والعفاف.

من لي بكاتبٍ يعروبيٍّ يسكن الصحراء، يعيد صياغة المصطلحات، ليضع الصدق في مكانه، ويغسله من رجس كذّابٍ تمسّح به، وليريحني من مصطلح “الدبلوماسية” الذي لطّخ سمعة “الصراحة”، ومنع ظهور كثير من أبجديات الواقعية والوضوح؟

ترى، هل كان الأماجد الذين سبقونا يشترطون العيش في الصحراء ليحملوا لواء الحقيقة النقية ويرفعوه على رؤوسهم؟ أم نحن الذين سكنّا الحاضرة، واستبعدنا كلَّ ما تومئ له الصحراء البِكر من معاني الصفاء والنقاء، والحق الذي ليس بعده إلا الضلال؟!

(البوصلة)

Related Posts