عايش لـ “البوصلة”: هكذا أفقدت الحكومة “ديوان الخدمة” قيمته وهيبته وجعلت إلغاءه أمرًا حتميًا

عايش لـ “البوصلة”: هكذا أفقدت الحكومة “ديوان الخدمة” قيمته وهيبته وجعلت إلغاءه أمرًا حتميًا

عمّان – رائد صبيح

أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش في تصريحاته لـ”البوصلة” أنّ الحكومة “أفقدت ديوان الخدمة المدنية من مضمونه وقيمته وهيبته حتى لم يعد يستطيع أن يلعب الدور المناط به”، مشددًا على أنّ “الديوان لم يلعب أيّ دورٍ استثنائي فيما يتعلق بتطوير وتحسين العملية التوظيفية فضلا عن أنه فقد العدالة والشفافية”.

وشرح عايش مجموعة من العوامل والخطوات التي أقدمت عليها الحكومة وأسهمت في جعل إلغاء ديوان الخدمة وانعدام وجوده أمرًا حتميًا بدءًا من عملية “شراء الخدمات” خارج مظلة الديوان وبرواتب وأجور عالية، فضلاً عن إلغاء وزارة العمل وتغير احتياجات السوق الأردني وآليات تعاطيها مع عملية التوظيف.

غياب الشفافية والعدالة

وقال الخبير في تصريحاته: “لا شك أنّ ديوان الخدمة المدنية تمّ إيجاده لأسباب تتعلق بتنظيم التوظيف، وأن يكون شفافًا عادلاً قادرًا على أداء هذا الدور، بما بؤدي إلى رفد الحكومة بكادر وظيفي قادر على أن ينجز أعماله ومهامه بالدور المطلوب”.

ولفت إلى أنّه “في الآونة الأخيرة لجأت الحكومة للتوظيف خارج ديوان الخدمة المدنية، بمعنى أنّ هناك شراءً للوظائف حتى بما يفوق قدرة الوزارات والمؤسسات استيعاب هذه العملية، وهو من خارج السياق، بمعنى أن هناك توظيفًا إضافيًا يتم بأجرة مرتفعة قياسًا للتوظيف الاعتيادي المتعارف عليه وفقًا لنظام الخدمة المدنية”.

الخبير الاقتصادي حسام عايش: كأن الحكومة تسعى لإلغاء ديوان الخدمة للقول بأنّه ليس هناك “طالبو وظائف”

واستدرك بالقول: بالتالي هذا قلل من دور وهيبة ديوان الخدمة المدنية، وأكثر من ذلك أنّ الحكومة أصلاً لديها من العاملين ما يفوق حاجتها، ولعل القطاع العام الأردني يعد واحدًا من أعلى القطاعات توظيفًا للأيدي العاملة قياسًا لحجم القوى العاملة، ونحن نتحدث عن 42%.

ونوه إلى أنّ هذا القطاع يحتاج بذلك إلى مراجعة، أولاً على حجم الذي يستنزف أكثر من 64% من الموازنة كما تقول الحكومة تذهب مباشرة كرواتب وأجور وتقاعدات لمن عمل في هذا القطاع.

إقرأ أيضًا: عايش لـ “البوصلة”: هل تملك الحكومة ترف التنازل عن رفاهيتها والتوقف عن استفزاز الأردنيين؟

وأوضح عايش بالقول: “بمعنى أنّ الدولة الأردنية بما فيها قطاعها العام والخاص والمواطنون يعملون فقط لتمويل العاملين في القطاع العام، وهذا أمر يحتاج إلى مراجعة، وثانيا الحكومة لا تحتاج وفقًا لهذا المنطق لعمالة جديدة يوفرها نظام الخدمة المدنية، وبالتالي أصبح هذا الديوان غير مطلوب على مستوى المهام والوظائف المناطة به”.

وقال: لعلّ تحويل هذا الديوان إلى مؤسسة أخرى تقدم للحكومة دراسات بشأن إنتاجية العاملين والحاجات الوظيفية الفعلية للوزارات والمؤسسات والكيفية التي تدار بها الأعمال بشأن تنظيم وترتيب الهيكل التنظيمي في هذه المؤسسات ربما أفضل من أن يكون ديوانًا في الحقيقة أنّه في السنوات الأخيرة لم يعد يلعب الدور المناط به.

 وتابع، “أعطي مثالاً أن هناك من تقدم لهذا الديوان أحياناً وكان ترتيبه بين الأوائل، ثم يعود مرة أخرى ويجد دوره قدر تراجع كثيرًا للخلف ولا يحصل على الوظيفة وينتظر سنوات طويلة”.

إلغاء وزارة العمل مؤشر

وأضاف عايش بالقول: أكثر من ذلك أنّ إلغاء وزارة العمل يستدعي من بين أمورٍ أخرى، منطق التفكير، “وهو كل خاطئ بكل الأحوال”، كل المؤسسات التي تعنى بسوق العمل والوظائف وغيرها يفترض أيضًا أن تذهب مع ذهاب وزارة العمل، وربما يأتي التفكير بإلغاء ديوان الخدمة المدنية من هذا الباب.

ونوه بالقول: أكثر من هذا وذاك، سوق العمل نفسه يحتاج إلى منطق آخر في تنظيمه وترتيبه وإعادة هيكلة الأنشطة المختلفة فيه بما يؤدي أن يكون هذا السوق تفاعليًا لجهة الوظائف والمهن التي يمكن أن يعلن عنها أو أن يوفرها، في إطار عملية اقتصادية جديدة، ربما يكون التوظيف فيها بالقطعة أو من خلا ل العمل المرن، أو العمل عن بعد.

“في الحقيقة فإن دور ديوان الخدمة التقليدي وإدارته التقليدية لعملية التوظيف من الواضح أنّها تتغير، ويفترض أيضًا أن يخضع للتغيير”، على حد تعبيره.

فقدان الدور وإعادة هيكلة القطاع العام

وقال عايش: “في كل الأحوال أقول إن ديوان الخدمة المدنية لم يلعب دورًا يمكن أن نقول إنه استثنائي فيما يتعلق بتطوير وتحسين العملية التوظيفية، لكنّه في وقتٍ ما لعب دورًا إيجابيًا في تنظيمها، ويبدو أننا الآن أمام مرحلة جديدة تستدعي تغييرًا في الوسائل والأدوات وفي طرق إدارة العمليات”.

واستدرك بالقول: لعل إعادة هيكلة القطاع العام بالمعنى الحقيقي وتحويله من مجرد قطاع عام مستهلك وقطاع عام غير منتج، إلى قطاع عام فعال منتج وقادر على أن يلعب دورًا مختلفا عما يقوم به حتى الآن، يستدعي من بين أمورٍ أخرى، إمّا إلغاء هذا الديوان والاستعاضة عنه بديوانٍ جديد له وسائل جديدة، أو أنّ هذا الديوان لم يعد يلعب الدور المطلوب منه لأن حجم التوظيف في القطاع العام أكبر بكثير مما يحتاجه حتى لو جاء من خلال هذا الديوان.

إقرأ أيضًا: عايش لـ “البوصلة”: لا مبرر لرفع أسعار المحروقات وعلى الحكومة اعتماد “الضريبة المرنة”

وأوضح عايش: الأهم أنّ هناك كثيرين ممن يجادلون بأن من يتقدمون بطلبات لديوان الخدمة المدنية هم يعملون في أنشطة أخرى، إمّا عن بعد مع جهات مختلفة أو في سوق العمل الافتراضي، وبالتالي فإنّ الأعداد في ديوان الخدمة المدنية المنتظرين لأعمال هم في الواقع لأعداد مضخمة تؤثر على معدلات البطالة وتزيدها.

وأشار إلى أنّ هذه قراءة لبعض المسؤولين الحكوميين، وبالتالي ربما بعضهم اقتنع أمام هذه الحالة أن ديوان الخدمة المدنية أصبح يعني عاملاً إضافيًا في زيادة نسبة البطالة على غير حقيقتها وبالتالي فإنّ هناك توصية بإلغائه.

سؤال المليون؟

وتابع الخبير الاقتصادي حديثه بالقول: لذلك هناك سؤال مهم عندما تمّ الحديث عن خلق مليون فرصة عمل إضافية وفق رؤية التحديث الاقتصادي، هؤلاء المليون هم الذين ربما سيأتون لسوق العمل لاحقًا، كان السؤال: ماذا بشأن الـ 400 ألف غير العاملين حاليًا؟ فهذا سؤال منطقي كبير، لم تلحظه رؤية التحديث الاقتصادي ولم تشرح لنا الكيفية التي سيتم التعامل بها.

وأوضح بالقول:  “بمعنى آخر يأتي إلغاء هذا الديوان وكأنه محاولة للقول إنه لا يوجد طالبي عمل”.

إقرأ أيضًا: البشير لـ “البوصلة”: هذه شروط نجاح أي رؤية تحديث اقتصادي

وعبر عن أسفه من أنّ “ديوان الخدمة لم يكن عادلاً ولا شفافاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، فكان هناك أحيانًا كثيرًا، المداورة فيكون ترتيبك الأول وبعد شهر تعود لآخر الدور، وكانت أسباب كثيرة تطرح للتبرير، لكن ان تجد أسبابًا لكي تغير المعايير يعني ذلك أنّ هذه المعايير لا يتم العمل بها”.

وأضاف أنّ “العمل كما قلنا عبر شراء الخدمات وهو واسع النطاق في كل الدوائر والوزارات والمؤسسات، ناهيك عن أنّ كثيرًا من المؤسسات المستقلة التي أخضعت لديوان الخدمة المدنية واجهت احتجاجات من قبل العاملين فيها لأن أجورهم ورواتبهم تراجعت”.

وقال عايش: أيضًا  ديوان الخدمة بدوره الذي ما زال قائمًا حتى الآن لم يستطع أن يفرض معاييره على المؤسسات المستقلة، وبالتالي كأننا أصبحنا أمام أكثر من نظام للخدمة المدنية، وأكثر من آلية وأكثر من معيار، وأكثر من راتب، وبالتالي الوسائل تغيرت بشكل كبير جدًا والتجاوز فيها واسع النطاق لدرجة أنّ ديوان الخدمة المدنية لم يعد لاعبًا رئيسيًا في هذا المجال”.

شراء خدمات أم أشخاص؟

ووجه عايش أصبع الاتهام للحكومة بشرائها الأشخاص وتنفيعهم وليس شراء خدماتهم وكفاءتهم، قائلا: “بصراحة شراء الخدمات هو شراء أشخاص وليس شراء خدمات، بمعنى أنّ التوظيف للأشخاص وليس لمهاراتهم ولا لخدماتهم”.

وتابع بالقول: عندما يكون هذا الخلل الهائل في ثلاثة معايير، معدل دخل الفرد في الأردن كمعيار، والحد الأدنى للأجور كمعيار، ويكون المعيار الثالث لا حدود لرواتب أو دخل من يعمل في المؤسسات المستقلة المختلفة، وتصل إلى من 15 الف دينار إلى 30 ألف دينار، ونحن نتحدث عن إجمالي الدخل الشهري في الوظيفة وليس الراتب فقط، فمعنى ذلك أنّ العدالة تكاد تكون مفقودة والمعايير ليست منضبطة وأنّ هناك خللًا كبيرًا، ويفترض أن يكون لدينا سقف للحد الأعلى للأجور وليس للحد الأدنى للأجور، وأن يكون مثلا عشرة أو 15ضعف الحد الأدنى للأجور، وهذا واجب أن نربط الحد الأدنى بالحد الأعلى”.

واستهجن عايش في ختام حديثه لـ “البوصلة“: أنّ الحكومة تصنع مشكلات ليلا نهارًا حول الحد الأدنى للأجور، وهذا له علاقة في الخدمة المدنية، ولكن الحد الأقصى لا يتحدث عنه أحد وحدث ولا حرج، ولدينا مشكلة كبيرة جدًا في إدارة سلم الرواتب في الدولة وأنا لا أتحدث فقط عن القطاع العام فقط، ولدينا إشكالية في أن معظم الإيرادات التي يذهب 64% من موازنة الحكومة تذهب للرواتب والأجور، ومعنى ذلك أن كل الضرائب تذهل فقط كرواتب وأجور للعاملين في القطاع العام، إذن ما يتم شراءه من خدمات إضافية يتم تمويله بالدين الذي يدفع ثمنه الجميع وهذا أمرٌ في غاية الخطورة.

إنشاء هيئة خدمة عامة خلفا لديوان الخدمة المدنية

يذكر أنّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أوصى  بعدم السير بإلغاء وزارة العمل مع إجراء دراسة لإعادة هيكلتها، ضمن مخرجات حواراتها الوطنية بشأن خطة تحديث القطاع العام.

وفي محور الموارد البشرية، دعا المجلس إلى إنشاء هيئة الخدمة العامة والإدارة العامة بقانون كخلف قانوني لديوان الخدمة المدنية يرتبط برئيس الوزراء أو نائب رئيس الوزراء لتطوير القطاع العام، وتعطى صفة الضابطة العدلية وتمارس الرقابة الإدارية على الدوائر ومؤسسات القطاع العام غير منقوصة والإشراف على تخطيط الموارد البشرية على مستوى القطاع العام.

وأوصى بنقل صلاحيات التوظيف للدوائر والمؤسسات العامة (اعتماد التعيين اللامركزي)، شريطة أن تراقب الهيئة حسن سير الإجراءات وسلامتها، وتعطى حق إلغاء القرارات الإدارية المخالفة.

ودعا أيضا إلى إعادة النظر في الوصف الوظيفي والمواصفات الوظيفية وتضمينها مؤشرات الأداء الفردي واعتمادها من الهيئة المستحدثة قبل الإعلان عن شغل الوظائف الشاغرة التي تعتمدها الهيئة بموجب تعليمات ملزمة لتخطيط الموارد البشرية تستند إلى تحليل العمل وفق الخطة الاستراتيجية التي تعتمد للدائرة.

وأوصى باعتماد آلية علمية لتسعير الوظائف بالتركيز على المهارات تركيزا رئيسا وليس فقط على الشهادات العلمية، وإعادة النظر في أنظمة المكافآت والحوافز وربطها بمخرجات الأداء الفردي والمؤسسي.

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email