خيمة تُزهر حبًّا.. “إبراهيم ومريم” يكتبان أول فصل في حكايتهما من قلب النزوح

خيمة تُزهر حبًّا.. “إبراهيم ومريم” يكتبان أول فصل في حكايتهما من قلب النزوح

في زاوية داخل إحدى مخيمات النزوح في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث تتشابه الخيام في لونها وتختلف في حكايات ساكنيها، كانت هناك ثورة صغيرة من الفرح تُطبخ على مهل.

لم تكن ثمة قاعة أفراح مزينة بالورود، ولا أضواء ساطعة تحبس الأنفاس، لكن زغاريد النساء التي انطلقت من بين الخيام المهترأة، كانت كافية لتقول للجميع: “هنا حياة تستمر، وهنا حبٌّ يرفض التأجيل”.

وفي يومٍ استثنائي في حياته، عقد الشاب إبراهيم (26 عامًا) قرانه على الشابة مريم (22 عامًا)، ليعلنا تدشين حكايتهما الزوجية تحت سقف من القماش، متجاوزَيْن كل ظروف الواقع وقسوته.

جراحٌ مشتركة.. وأملٌ جديد

لم تكن قصة إبراهيم ومريم مجرد التقاء لشابين قررا الزواج، بل كانت التقاءً لجرحين أوشكا على الالتئام بالتضامن والحب.

فإبراهيم هو الناجي الوحيد من عائلته التي قضت كاملة في قصف استهدف منزلهم، وقد خرج من تحت الأنقاض مصابًا بجراح لا تزال آثارها واضحة على جسده وقدمه التي يتكئ عليها في مشيته.

أما مريم، فقد عاشت الفاجعة ذاتها حين استهدف القصف منزل عائلتها، لتكون الناجية الوحيدة بين إخوتها وأبويها، بعد أن أمضت أشهرًا طويلة في المستشفى تتلقى العلاج من إصابة بالغة في أطرافها.

يقول إبراهيم في حديثه لوكالة “صفا” وهو يثبت إحدى زوايا الخيمة التي أقامها بمساعدة جيرانه في المخيم: “عندما فقدت عائلتي وأصبت، ظننت أن الحياة توقفت عند تلك اللحظة. لكن حين التقت ظروفي بظروف مريم، شعرت أن الله يمنحنا فرصة ثانية لنضم جراحنا إلى بعضها ونبني عائلة جديدة من بين الرماد”.

ويضيف: “لم نتمكن من إقامة مراسم فرح تقليدية أو شراء الذهب في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، لكننا اتفقنا على أن البداية لا تحتاج سوى لبيت يجمعنا وعهد صادق بيننا”.

وفي الخيمة المجاورة، تتجهز مريم لليوم الكبير متكئة على عزيمتها القوية، بينما تنشغل فتيات المخيم بتجهيز باقة ورد مبتكرة من أوراق الكرتون الملون لإهدائها للعروس.

تقول مريم وهي تتأمل ثوبها التراثي البسيط الذي تُعدّه لليوم المرتقب: “كلينا يحمل في جسده وفي ذاكرته ندوباً لا تُنسى، وقد فقدنا العائلة والبيت وكل ما نملك، لكننا اخترنا ألا نبقى أسرى للحزن والغياب”.

وتتابع ونبرة ثبات تملأ صوتها: “نعلم أنه لن تكون هناك سيارات تزفنا، لكن الفرح العفوي الذي نلمسه اليوم في عيون جيراننا في المخيم ونحن نجهز لخيمتنا أصدق وأبقى من أي مظاهر أخرى”.

وتقول في حديثها لوكالة “صفا”: “نريد أن نثبت لأنفسنا وللعالم أننا يستحيل أن ننكسر، وأن هذه الخيمة مؤقتة إلى حين إعادة غزة لسابق عهدها”.

وتتجسد في قصة إبراهيم ومريم تجربة إنسانية فريدة لجيلٍ من الناجين في قطاع غزة، ممن يصرون على إعادة تعريف مفهوم الاستقرار من وسط أعتى الظروف.

فلم تكن تفاصيل زفافهما البسيطة مجرد اضطرار لواقع أليم، بل كانت انتصارًا حقيقيًا للروح، وتأكيدًا حيًا على أن الحب قادرٌ دومًا على غرس الحياة ورسم آفاقها، حتى بين الركام والخيام.

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email