نُعِيَ إسماعيل هنية بصفته مجاهدا وسياسيا من الطراز الأول، وتذكّرَتِ الدنيا بأسرها إدارته الموفّقة لحركته، بل لدولة فلسطين يوم كان رئيسا لوزرائها، ولم أسمع صوتا واضحا ينعى هنية خطيبا ناجحا ومتحدثا بارعا، فلقد كان أبو العبد آسرا للقلوب إذا رفع عقيرته بالكلام، يذهب بعض كلامه مذهب المثل كقولهم في النشيد: قال القائد إسماعيل: لن نعترف بإسرائيل، في إشارة إلى ما ورد في خطاباته غير مرة: لن نعترف، لن نعترف، لن نعترف بإسرائيل.
ونحن إذ نعيش ألم فقد هذا العَلَم ما أحوجنا إلى إعادة النظر في جهودنا لإخراج خطبة جمعة تؤدي دورها وتصل إلى هدفها في تربية الأمة على أبجديات عزتها وكرامتها، فإن لدينا إخوة فضلاء يحضّرون الخطبة الموحدة، هم على مستوى من الرّقة يؤهلهم للتربية الروحية المجردة بعيدا عن تلمس مستجدات الأمور ومعالجتها في خطبة الجمعة أولا بأول في الغالب، فكأنما يكون الواحد منهم جالسا سائر الأسبوع في منطاد بين السماء والأرض لا يرى حدثا ولا يسمع خبرا، وعنده هدف تربوي روحاني يريد أن يحققه، فبينما تسيل الدماء المظلومة في غير مكان من هذا العالم يخرج علينا الإخوة الربانيون بخطبة عن فضل التسبيح جمعة، وعن فضل الصلاة على النبي جمعة أخرى، وعن الحوقلة جمعة ثالثة، وقد فرحت حين علمت أن الخطبة في الجمعة الفائتة هي عن فضل قراءة القرآن، ثم لما رأيت عناصرها قد خلت من أي حدث واقعي على الأرض كاد المكان يضيق بي من شدة الحسرة والألم لخلوّ هذه العناصر من التفاعل مع الواقع ومن علاجه بالقرآن الذي فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وهو الذي لا تنقضي عجائبه، فهل يعقل أن لا نبرح في خطبتنا أحداث القرن السادس الميلادي ونحن نتحدث عن القرآن في عصر تجاوز مشاكل الدولة الأموية وعفّى على قرون بني العباس، ورأينا فيه ما لم يرَ صحابي ولا حتى تابع تابعي!!
وإذ علمت أن خطبة الجمعة غدا لن تخرج عن الحديث عن القرآن كذلك، وددت والله لو تكون خُطَب الجمعة في أسابيع السنة كلها عن القرآن، فإنما شقينا بالابتعاد عن هديه وبإساءة فهم رسالته، أنا أدرك أن مشروع خطبة غد حُضّر قبل معرفة نبأ استشهاد إسماعيل هنية تقبله الله، لكني أدرك كذلك أن هنية واحد من مئة ألف ما زال شلال دمائهم ينزف منذ عشرة أشهر في ختام ست وسبعين سنة دامية خلت، والأمة بحاجة إلى تربية قرآنية على الثبات، وعلى العزة، وعلى فهم طبيعة العدو، وعلى كيفية صناعة الجيل الناجح.
بدأت العطلة الصيفية ولم نسمع خطبة عن توجيه أبنائنا في عطلتهم إلى دُور القرآن التي تشرف عليها الأوقاف، ولم نسمع توجيها للآباء والأمهات ليحسنوا قياد أبنائهم وبناتهم في هذه العطلة لحمايتهم من الفراغ ومن صديق السوء ومن شرّ الطريق!!
يا مهندسي خطبة الجمعة فلتبقوا متمسكين بموضوع القرآن في الخطبة لسنة قادمة، ففيه ما يغنينا جميعا، ولا تخافوا من موضوعاته، فإنه نزل لينظم حياتنا لا ليعبث بها، وليشعرنا بالأمن لا بالخوف، وبالاستقرار لا بالاهتزاز، و مستمعنا ومواطننا واعٍ غير ساذج ليُعبَث بعواطفه، وما يلزمه هو حسن التوجيه بالكلمة الهادفة، أما خطباؤنا المستهدفون بالإقصاء فقد قضى بعضهم عقودا من الزمان ما سُجّل عليهم عبث بأمن الوطن ولا رعونة في توجيه إلى معروف، أما أن يُسجَّل عليهم الصدق في النصح وإن كان صادما فإن من البدهي أن صديقك هو من يصدقك لا من يكذب عليك ويغشك ويجاملك، ولا خير في الأمة إن صمّتْ أذنها عن النصح ولو كان قاسيا، فإنما نحن في مركب واحد، وضيقنا بِرُبّان واقعي يحذرنا من الموج قبل قدومه أو يدلنا على التعامل الصحيح مع الموج إن دهمنا، ضيقنا هو مزاجية تؤذينا وتحرف سفينتنا عن مسارها، ورحم الله جداتنا: من يضحّكني يضحك علي ومن يبكيني يبكِي عليّ.
يا وزارتنا، يا أصحاب القلم الناظم لخطبنا… وجّهونا لنخطب عن واقعية القرآن، وعن تربية القرآن، وعن سلوكيات يتخلق بها من لا يفهم القرآن، كيف نقوّمها ونتغلب على ثقافة أصحابها، اكتبوا لنا كيف علّمَنا القرآن أن نتعامل مع العدو بما يردعه، ومع الصديق بما يحفظ علينا ودّه، وأصدقكم القول إن كثيرا من الناس وهم يخرجون من صلاة الجمعة يقسمون أنه لولا كَوْن حضور الجمعة فرضا عليهم ما حضروا جمعة ولا استمعوا خطبة، فهل من سبيل إلى عودة ألَق الخطبة التي كنا نحضرها في شبابنا حين كان لدى خطبائنا المؤهلين مساحة حرية مسؤولة ليخاطبونا بما يربّينا ويخلّص ذمتهم أمام الله ؟ رحم الله خطباءنا محمد عادل الشريف وإبراهيم الكيلاني ومحمد شقرة ومشهور حيمور وأمين عارف “النحوي”، وقائمة مباركة تربينا على نغمة أصواتهم وعظا وإرشادا وتعليما، ما كانت القدس تغيب عن خطبهم وما كان النعي على اليهود يفارق ألسنتهم، رحمهم الله ورحم زمانا كانوا ينتمون إليه مات بموتهم وموت المظلة التي كانوا يتفيأون ظلالها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(البوصلة)



