د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

تأملات (٥): السياسة والتعليم

د. أحمد داود شحروري

منذ نشأتنا الأولى، كنا إذا أردنا الحديث في شأنٍ سياسي خفضنا أصواتنا، ورُبينا أصلًا على أمثال شعبية تُخوِّف من الخوض فيما قد يورّطنا، مثل قولهم: “الحيطان لها آذان”، و”صلِّ وصُمْ ولا تحُمْ”، و”عين الناس تبكي ولا عين أمي تبكي”، وغيرها كثير. وكان الحال واحدًا في المجتمع الكبير ومجتمع المدارس والجامعات.

كانت تسود أيامنا الأحكام العرفية، ومع ذلك كانت للتنظيمات السياسية حركة ملموسة؛ فكان الحزب الشيوعي مناكفًا، وكان حزب التحرير الإسلامي حاضرًا، أما الإخوان المسلمون فكان لهم أثر يعرفه كل من وعى فترة الستينيات والسبعينيات حتى أواخر القرن العشرين. كان لهم وجود في المدارس والجامعة الأردنية الأم، وفي المساجد كانوا أصحاب أثر بارز: أئمةً وروّادًا وخطباءَ ومدرّسين. لكن الأحزاب والجماعات كانت مُراقَبة بدقة، ولا يُسمح لها بالنشاط إلا على سبيل التغاضي لا الإذن بمعناه القانوني.

ومع مرور الأيام، ذاب الشيوعيون وانحسروا، وذوى حزب التحرير وانكمش، وبقيت الحركة الإسلامية وتجذّرت، حتى كان من أمر الدولة معها ما كان. ولم يعد اليوم أحد يصرّح باسمها أو يعمل تحت شعارها، لأن ذلك أصبح مخالفة قانونية غير مأمونة العواقب.

جامعاتنا الأردنية، الحكومية والأهلية، فيها نشاط طلابي خدمي لا يخلو من نكهة السياسة. وقبل حظر الحركة الإسلامية بسنين طويلة، كان نشاطها الجامعي على صعيد الجمعيات الطلابية مرصودًا، وكانت تُبذل جهود لكيلا يكون لها حضور طلابي لافت. ومع أني أنصح طلابي دائمًا بالتعقّل والاهتمام بالدراسة أولًا وعدم إهمالها، إلا أني أسجّل على حركة الإقصاء لأي تيار طلابي، إسلامي أو “وطني” أو علماني، نقاطًا غاية في الخطورة على حاضر البلد ومستقبلها:

1. هندسة الانتخابات الطلابية تؤسّس لأنانية تُؤطِّر شخصية الطالب في يومه وغده.

2. تنشر الكراهية وتخفض منسوب المحبة بين أفراد المجتمع وفئاته.

3. تشير إلى ضياع العدل في إتاحة الفرص بشكل متوازن لفئات الطلاب للظهور والعمل.

4. تمثّل قدوة سيئة في صناعة أنماط الإدارة الناجحة.

5. تُسهم في تقسيم العشائر والأسر إلى موالاة محظوظة ومعارضة محجوبة.

6. تُعدّ مقدمة غير صالحة لبناء مجالس نواب وبلديات تحمل بصمات العمل الطلابي بعُجَره وبُجَره.

7. إن الشعور بالظلم أكبر سبب لإعاقة بناء الدولة على كل صعيد؛ فالحاكمية الرشيدة التي تؤسّس للشورى على قواعدها الراسخة هي الكفيل الأصيل بصناعة غدٍ مشرق في حاضرٍ مغدِق.

إن لشبابنا وفتياتنا في مدارسهم وجامعاتهم اليوم أثرًا في رسم مستقبل واعد، ما يحمل كل عاقل على العناية بحاضرهم واحتضانهم في سوية واحدة، لنضمن بقاءهم في أحضان الأمة، قبل أن تقودهم غربة مصنوعة إلى تشرّد عن الديار والفكر، نبكيه وقت لا ينفع البكاء.

(البوصلة)

Related Posts