عمّان – البوصلة
أكدت النائب عن كتلة حزب الأمة، والخبيرة الأردنية في الشأن الاجتماعي والتربوي، بيان فخري، أن الشراكة بين الأسرة والمدرسة تمثل أساساً رئيسياً في بناء شخصية الطفل وصياغة جيل متزن ومسؤول، مشددة على أن العملية التربوية لا ينبغي أن تختزل في التحصيل الدراسي والدرجات، بل يجب أن تمتد إلى النمو النفسي والسلوكي والقيمي للطالب.
وبيّنت فخري، في حوار مع مجلة «المجتمع» الكويتية، أن السنوات العشر الأولى من عمر الطفل تشكل مرحلة محورية في تكوين شخصيته، باعتبارها الفترة التي تتشكل خلالها أسس التعلم الاجتماعي والبناء النفسي والتوافق مع المحيط، مشيرة إلى أن الأسرة تتحمل المسؤولية الأولى في مرحلة ما قبل المدرسة، فيما تبدأ الشراكة الفعلية مع المؤسسة التعليمية عند انتقال الطفل إلى البيئة المدرسية.
وشددت على أن المدرسة لا تقتصر وظيفتها على تقديم المعارف، وإنما تعد شريكاً للأسرة في صياغة شخصية الطفل وتعزيز قدرته على التفاعل الإيجابي مع المجتمع، من خلال تجربة الاختلاف والتفاعل مع الأقران، واكتساب معايير السلوك والصواب والخطأ ضمن بيئة تربوية آمنة يشترك في بنائها الآباء والمعلمون.
وفيما يتعلق بالاتفاق القيمي بين الأسرة والمدرسة، أوضحت فخري أن مسؤولية الأسرة تبدأ باختيار المؤسسة التعليمية التي تنسجم مع أولوياتها التربوية، مؤكدة أهمية تمكين الطفل من اللغة العربية باعتبارها وعاءً للثقافة ورابطاً بالقرآن والسنة، إلى جانب تحصينه بالقيم والمعتقدات والمعايير التي تشكل هويته.
وحذرت من أن الإلحاق المبكر بمدارس تجعل اللغات غير العربية أولوية على حساب العربية قد يضعف ارتباط الطفل بلغته وثقافته، داعية إلى تحقيق الانفتاح الثقافي بصورة متوازنة، بعد ترسيخ عناصر الهوية وتمكين الطفل من التعامل مع الانفتاح بثقة ورسوخ.
وأكدت فخري أن الأسرة لا يمكنها التخلي عن دورها التربوي في ظل العولمة والانفتاح الرقمي، داعية الوالدين إلى متابعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء وفحص المضامين التعليمية والثقافية التي تصل إليهم، وعدم التعامل مع المدرسة باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن التربية الأخلاقية والسلوكية.
واقترحت تخصيص يوم دوري تستضيف فيه المدارس أولياء الأمور للاستماع إلى ملاحظاتهم، وإطلاع المعلمين على طبيعة الأبناء والظروف التي تؤثر في سلوكهم، بما يعزز التكامل بين الطرفين ويجعل الأسرة شريكاً فاعلاً لا طرفاً يجري استدعاؤه فقط عند وقوع المشكلات.
ولفتت إلى أن بعض المدارس قد توهم الأسر بقدرتها على تحمل كامل المسؤولية التربوية، ما قد يدفع بعض الآباء إلى التراخي في أداء دورهم، مؤكدة أن دفع الرسوم لا يعفي الأسرة من مسؤوليتها تجاه أبنائها، وأن دور المدرسة يظل مكملاً للدور الأسري ولا يحل محله.
وحول تقييم الطالب، أشارت فخري إلى أن الدرجة المدرسية تمثل مقياساً كمياً للتحصيل المعرفي، لكنها لا تكفي للحكم على النضج النفسي والسلوكي للطفل، داعية الأسر إلى الانتباه إلى مؤشرات القلق والتنمر وضعف الثقة بالنفس وتراجع الاستقرار النفسي، والتعامل معها بالتعاون مع الكادر التعليمي بصورة مبكرة.
وأضافت أن المهارات الوجدانية تمثل عاملاً أساسياً في دعم التحصيل الدراسي، وأن توفير بيئة صفية سليمة يتطلب تعاون الأسرة والمدرسة، وصولاً إلى اتخاذ قرارات تحمي شخصية الطفل واستقراره عندما تعجز البيئة التعليمية عن تلبية احتياجاته.
وفي ملف الاستخدام الرقمي، اعتبرت فخري أن المنصات الرقمية أصبحت طرفاً ثالثاً في عملية التنشئة، ينافس الأسرة والمدرسة في التأثير على الأبناء، داعية إلى اعتماد سياسة وقائية متكاملة لضبط استخدام التقنية.
وطالبت بعدم تمكين الطفل من امتلاك هاتف ذكي مستقل قبل سن الرابعة عشرة، إلى جانب استخدام برامج حجب المواقع، وتحديد وقت الشاشات بساعتين يومياً، وتشجيع الأبناء على الأنشطة الحركية والتواصل المباشر، مع تعزيز الرقابة الذاتية لديهم وترسيخ القيم التي تحكم سلوكهم في الواقع والفضاء الافتراضي.
وفيما يتعلق بالملاحظات السلوكية، أكدت فخري أهمية بناء الثقة بين الأسرة والمعلم، باعتبار أن المتابعة المشتركة تتيح التدخل المبكر لتصويب السلوك أو تعزيزه، محذرة في المقابل من الدفاع التلقائي عن أخطاء الأبناء، لما قد يترتب عليه من إعاقة عملية التقويم وإضعاف شعور الطفل بالمسؤولية.
ودعت إدارات المدارس، في الوقت ذاته، إلى التحلي بالموضوعية والوضوح عند نقل الملاحظات السلوكية إلى أولياء الأمور، بعيداً عن المجاملة، انطلاقاً من أن مصلحة الطفل ينبغي أن تكون الأولوية لدى جميع الأطراف.
وبشأن انتقال الطفل إلى مرحلة المراهقة، أوضحت فخري أن طبيعة الشراكة بين الأسرة والمدرسة تتغير مع مراحل النمو، إذ تزداد لدى المراهق الرغبة في الاستقلال وإثبات الذات، الأمر الذي يستدعي منحه مساحة من الثقة لاختبار قدراته، على أن تستند هذه الثقة إلى تأسيس تربوي وقيمي سليم خلال سنوات الطفولة.
وأكدت أن مرحلة المراهقة تكشف إلى حد كبير نتائج ما تم بناؤه خلال السنوات الأولى، معتبرة أن قوة التأسيس العقدي والقيمي تساعد الشاب على عبور هذه المرحلة باتزان، فيما قد تظهر المشكلات السلوكية عندما تكون هناك ثغرات في البدايات التربوية.
كما دعت إلى إعادة بناء قنوات التواصل بين الأسرة والمدرسة بصورة تجعل الطفل محور العلاقة وقناة الاتصال الأساسية، بدلاً من إغراق الطرفين في إجراءات إدارية وروتينية، مؤكدة أن الحوار الصريح مع الطفل في المنزل والمدرسة يمكن أن يقلل الحاجة إلى المتابعات المستمرة ويجعل التواصل المباشر بين الكبار أكثر تركيزاً على المنعطفات التربوية المهمة.
وختمت فخري بالتأكيد على أن بناء شراكة فاعلة مع بداية العام الدراسي يتطلب التوافق على الرؤية والرسالة، وضمان انسجام أهداف المدرسة مع هوية الأسرة وقيمها، إلى جانب تحديد الأدوار والتوقعات بوضوح، ومأسسة قنوات التواصل والمتابعة بآليات مرنة وجداول دورية تضمن استدامة الرعاية وسرعة تصويب المسار التربوي عند الحاجة.
(البوصلة)



