“المرتزقة”.. صنّاع الموت !

“المرتزقة”.. صنّاع الموت !

البوصلة – د. محمد حمزة

تعيش منطقتنا العربية أوضاع صعبة، بفعل الحروب التي تنتشر في أكثر من دولة، وعند تتبع ما يجري نكتشف أن دوراً مهماً للقوات الخارجية سواء كانت نظامية مثل الجيوش أو غير النظامية مثل المرتزقة الأفراد الذين يجلبون للقتال أو مرتزقة المؤسسات من الشركات العسكرية الخاصة التي تعمل ضمن عقود.

ونظراً لخطورة هذا الدور وتعدده في أكثر من دولة عربية خصوصاً في ليبيا والسودان، فإنّ موقع البوصلة الإخباري سيتناول في هذا الملف أبرز جوانب عمل المرتزقة، وتاريخ نشأة الفكرة، وكيف ينظر لهم القانون الدولي، وكيف تتعامل معهم الدول من خلال استعراض عينة منها.

من هو المرتزق؟

بالمعنى العام فإنّ المُرتزِق هو الشخص الذي يقوم بأي عمل بمقابل مادي بغض النظر عن نوعية العمل أو الهدف منه، وغالبا يطلق هذا الوصف على من يعمل مع جهة صراع في بلد أجنبي من أجل كسب المال أو أشكال المنافع الأخرى وليس من أجل المصالح السياسية.

وكثيراً ما يكون المرتزق جندي سابق في جيش نظامي، ويتمتع بالخبرة والاحتراف، ويقاتل من أجل أي دولة أو أمة بغض النظر عن المصالح أو القضايا السياسية. وتوسّع المصلح الذي كان يستخدم لوصف الأفراد ليصف الشركات العسكرية والأمنيّة الخاصة التي تقاتل لمن يدفع.

تاريخ المرتزقة

 عرفت الإمبراطوريات القديمة الإغريقية والرومانية والساسانية استخدام المرتزقة في الحروب ضد غيرهم. وشاع استخدامهم أواخر العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة، من القرن الثاني عشر حتى القرن السادس عشر الميلاديين؛ إذ استخدم كثير من الحكام حين ذلك جنودا محترفين مدربين من دول أخرى لحماية دولهم والدفاع عن أنظمة الحكم.

في أعقاب حرب المائة عام (1337-1453)، باعت الشركات العسكرية المكونة من جنود تعود أصولهم إلى سويسرا وإيطاليا وألمانيا خدماتهم لمختلف الأمراء والدوقات في أوروبا. كان هؤلاء الأفراد المأجورين غير منضبطين في سلوكهم، وبعضهم فرّوا من الخدمة عشية المعركة، ومارسوا عمليات نهب للمدنيين. وبعض سلوكهم المتمرد كان ردة فعل لعدم الالتزام بدفع مستحقاتهم مقابل الخدمات التي قاموا بها.

    عرف التاريخ الحديث حكاماً عملوا على تأجير قوات عسكرية في دولهم لصالح جهات خارجية للعمل كمرتزقة مقابل المال، فبريطانيا –مثلاُ- أثناء الثورة الأمريكية (1775 – 1783) استأجرت جنوداً من ألمانيا، أطلق عليهم في حينها جنود هسن؛ وذلك لمحاربة السكان الأمريكيين الأصليين. وعلى الطرف الآخر، فإنّ السكان الأصليين استعانوا بعدد من المرتزقة من شرق أوروبا خصوصاً بروسيا وبولندا للقتال ضد الإنجليز، وبعضهم أصبح بطلاً في نظرهم لبلائهم في مساعدة السكان الأصليين، مثل كاسيمير بولاسكي وبارون فون شتوبن.

    أثبت الجنود من سويسرا قدراتهم الجيدة، لذا تمّ تجنيدهم لاحقاً على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا من الحكومات، في فرنسا أثناء القرن الثامن عشر الميلادي، كان الجنود السويسريين يشكلون النخبة في الجيش الفرنسي.

الشركات العسكرية الخاصة والارتزاق المنظم

تعد الشركة العسكرية الخاصة (PMC) بأنّها مؤسسة خاصة أنشئت بشكل قانوني لتحقيق الربح، وذلك من خلال تقديم خدمات من الممكن أنها تنطوي على احتمال استخدام القوة بوسائل عسكرية، و/أو عن طريق نقل تلك الإمكانية إلى غيرهم من الجيوش أو العملاء من خلال تدريبهم وتقديم الخدمات اللوجستيّة، وتزويدهم بالمعدات والأسلحة، وجمع المعلومات والبيانات.

بعض هذه الشركات مرتبطة بجهات حكومية أو بشخصيات حاكمة. من الأمثلة الشهيرة عليها: شركة فاغنر الروسية، وشركة بلاك ووتر الأمريكية. ويعمل مع هذه الشركات أفراد بصفة مقاولين أمنيين أو مقاولين عسكريين خاصين، وغالب المتعاقدين مع هذا النوع من الشركات العسكرية هم إمّا مدنيون، يعملون مع الجهات والمنظمات الحكومية والدولية، ويسمح لهم بمرافقة القوات العسكرية إلى ميدان القتال، وهؤلاء يطلق عليهم وصف المقاول المدني.

 كما تستخدم الشركات العسكرية الخاصة أفراداً سبق عملهم في الجيوش النظامية، وغالباً ما يكونون قد أنهوا خدماتهم بسبب التقاعد، أو أنهم فصلوا من وظائفهم العسكرية، وهذا النوع يطلق عليه وصف المقاول العسكري.

تعد هذه الشركات العسكرية الخاصة جيوش مرتزقة، على الرغم من أنها قد لا تمارس القتال. من حيث المبدأ؛ فإنّ حكومة الدولة المتعاقدة لها الحق في التحكم في عدد وطبيعة وتسليح الشركات الخاصة المتعاقدة معهم.

وارتبطت السمعة السيئة والأداء الوحشي وعدم الالتزام القانوني بأداء هذه الشركات، ويمكن تتبع الجرائم التي ارتكبنها شركتي بلاك ووتر وDynCorp في العراق، وشركة فاغنر في سوريا وليبيا والسودان.

استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا النوع من الشركات على نطاق واسع في أفغانستان منذ عام 2001م، وكان أبرز أعمالها:

  1. حراسة القواعد العسكرية الأمريكية.
  2. حماية كبار الشخصيات السياسية من الأفغان، مثلاً قام فريق من شركة DynCorp بتوفير حراس شخصيين للرئيس الأسبق حامد كرزاي.
  3. حماية الأشخاص الذين مارسوا القتل ضد حركة طالبان.
  4. تقديم الخدمات اللوجستية في النقل والتموين.

نظرة القوانين الدولية للمرتزقة

    يُنظر إلى المرتزقة على أنهم أقل استحقاقًا للحماية بموجب قواعد الحرب من غيرهم. تعد اتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949م والبروتوكول المعدل الذي أبرم في عام 1977م أسساً قانونيّاً للنظر إلى عمل المرتزقة، والتعامل مع أطراف القتال والنزاع المختلفة.

توفر المادة 47 من البروتوكول التعريف الدولي الأكثر قبولًا على نطاق واسع للمرتزق، على الرغم من عدم اعتماده من قبل بعض الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة. ينصّ البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف، والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية على ما يلي:

– لا يحق للمرتزق أن يكون مقاتلاً أو أسير حرب.

– المرتزق هو أي شخص:

(أ) يتم تجنيدهم خصيصا محليا أو في الخارج للقتال في نزاع مسلح؛

(ب) يشترك بالفعل بشكل مباشر في الأعمال العدائية؛

(ج) كان الدافع الأساسي للمشاركة في الأعمال العدائية هو الرغبة في تحقيق مكاسب خاصة، وفي الواقع، وُعد من قبل أحد أطراف النزاع أو نيابة عنه بتعويضات مادية تزيد بشكل كبير عن تلك التي وعد بها المقاتلون أو المدفوعة لهم. الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف؛

(د) ألا يكون من مواطني أحد أطراف النزاع ولا من المقيمين في إقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع؛

(هـ) ليس عضواً في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع؛ و

(و) لم ترسله دولة ليست طرفاً في النزاع في مهمة رسمية كفرد من أفراد قواتها المسلحة.

– المرتزقة لا يتمتعون بنفس الحماية التي يتمتع بها أسرى الحرب، إلا أنه يجب معاملتهم معاملة إنسانية، ولا يجوز معاقبتهم دون محاكمة.

قانونيّاً، المرتزقة لا يُعترف بهم بصفة مقاتلين شرعيين، ولا يمنحون نفس الحماية القانونية التي يتمتع بها أفراد الخدمة الأسرى في القوات المسلحة. عمليّاً، قد تكون مسألة الحكم على الشخص أو المؤسسة أنّها مرتزقة مسألة تنطوي على قدر من التعقيد بسبب تداخل فيها مصالح أطراف متعددة مالياً وسياسياً.

في 1989م، أصدرت الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم. التي دخلت حيز التنفيذ في 2001م وتعرف عادة باسم اتفاقية الأمم المتحدة للمرتزقة، ولم تضف كثيراً على ما ورد في بروتوكول عام 1977م.

نظرة عينة من الدول للمرتزق

سيستعرض الملف موقف عدداً من الدول بشأن نظرتها للمرتزقة وعملهم:

1- النمسا

إذا ثبت أن الشخص قد عمل كمرتزق لأي دولة أخرى مع احتفاظه بالجنسية النمساوية، فسيتم إلغاء جنسيته النمساوية.

2- فرنسا

اعتبرت فرنسا أنشطة المرتزقة جريمة، على النحو المحدد في بروتوكول اتفاقية جنيف للمواطنين الفرنسيين والمقيمين الدائمين والكيانات القانونية. ومع ذلك، تقدم عدد من الشركات الفرنسية خدمات المرتزقة. وأبعد من ذلك فإنّ الحكومة الفرنسية تمتلك نصف شركة Défense conseil International التي تقدم خدمات التدريب العسكري.

جنوب أفريقيا

أصدرت جنوب أفريقيا في عام 1998م قانون المساعدة العسكرية الأجنبية الذي يحظر على المواطنين والمقيمين أي تورط في حروب خارجية، باستثناء العمليات الإنسانية. ومع ذلك، فكان مواطنون من جنوب أفريقيا يعملون حراس أمن في العراق أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق.

المملكة المتحدة

التشريعات في المملكة المتحدة تجعل من غير القانوني للرعايا البريطانيين الانضمام إلى القوات المسلحة لأي دولة تتحارب مع دولة أخرى تعيش في سلام مع بريطانيا. ومع ذلك، شارك مواطنون من المملكة المتحدة في اليونان والحرب الأهلية الأنغوليّة.

الولايات المتحدة الأمريكية

التشريعات فيها متضاربة بشأن المرتزقة، وعمليّاً فإنّ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت على الشركات العسكرية بشكل واسع، كما توجد شركات أمريكية تقدّم خدمات عسكرية خاصة بصفة مرتزقة.

البوصلة

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email