الشيخوخة والتفكك الأسري تهدد المجتمعات الأوروبية بالفناء.. خبير يعلّق

الشيخوخة والتفكك الأسري تهدد المجتمعات الأوروبية بالفناء.. خبير يعلّق

الخبير الاجتماعي والأسري مفيد سرحان لـ “البوصلة”:

– يجب على مجتمعاتنا أن لا تنساق وراء الغرب وترفض الاتفاقيات الدولية التي تدعو إلى نشر الرذيلة والشذوذ

– النسوية والجندر مصطلحات خطيرة يجب أن لا نأخذ بها

– العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على التكامل والتعاون لا على الصراع والتضاد

– الأسرة القوية من أهم مقومات المجتمع العربي الإسلامي

عمّان – رائد صبيح

أكدت دراساتٌ غربيةٌ نشرت مؤخرًا حول ارتفاع نسب الشيخوخة والشذوذ في أوروبا أصبحت تعكس بشكلٍ كبيرٍ تحول أوروبا لمجتمع مهدد بالفناء.

وأخر تلك الدراسات التي نشرتها صحيفة لوفيغارو الفرنسية في يناير/كانون الثاني الماضي، كشفت أنّ ما يقف وراء ذلك التهديد هو تقويض النظام الأسري، ومحاربة مفاهيم الأسرة والأبوة والأمومة والزواج وحتى الأنوثة والذكورة، لصالح مصطلحات متعلقة بالجندر والنسويات وشرعنة الشذوذ وغيرها.

بدوره يرى مدير جمعية العفاف والخبير الأسري مفيد سرحان أنّ هذا التقرير يفضح كثيرًا من المفاهيم والمصطلحات التي طالما حذرنا منها، وهي مصطلحات خطيرة، والآن في الغرب يكتشفوا متأخرًا خطورة هذه المصطلحات، التي مع الأسف عملوا عليها لسنوات وكثيرٌ منها الأمم المتحدة تبنتها بل وفرضتها على المجتمعات والدول من خلال أنظمة وقوانين.

ويقول سرحان في تصريحاته لـ “البوصلة” إنّ هذا يؤكد أنّ على مجتمعاتنا العربية والإسلامية أن لا تنساق وراء الغرب ولا وراء كل ما تدعو إليه كل منظمات الأمم المتحدة التي للأسف الشديد في الكثير من مقرراتها التي تعنى بالمقررات الأسرية والاجتماعية، تسعى إلى تدمير هذه المجتمعات.

ويؤكد أنّ من الأمور الخطيرة التي تنادي بها هذه المقررات، هو أشكال الأسرة، علما بأنّ الأسرة لها شكلٌ واحدٌ، التي تنتج من خلال الزواج الشرعي بين رجلٍ وامرأةٍ، وهذا الشكل الوحيد الذي يقبل به الدين ويقبل به الشرع، وأيضًا يضمن للإنسانية دوام التكاثر وتحقيق الرغبات الجنسية للطرفين بطريقة صحيحة مشروعة.

مصطلحات تحارب الأسرة والمجتمع

ويلفت سرحان إلى أنّ هناك العديد من المصطلحات الأخرى: مصطلح النسوية الذي طالما حذرنا منه كثيرًا، لأنّه يحمل معاني خطيرة ويدعو لإذكاء الصراع والتنازع بين الذكر والأنثى في حين أنّ العلاقة الصحيحة بينهما يجب أن تقوم على التكامل في الأدوار وليس الصراع.

ويستدرك بالقول: أيضًا هذا المفهوم يعني السعي إلى سيطرة النساء على مواقع صنع القرار، بغض النظر عن كفاءة المرأة أو الأنثى للموقع، ولذلك نجد أن تطبيع هذا المفهوم يأخذ أبعادًا متعددة، منها للأسف الشديد ما يسمّى بـ “الكوتا” وهو أن تأتي بمجموعة من النساء بغض النظر عن الكفاءة لدى هؤلاء النساء.

مدير جمعية العفاف مفيد سرحان: يجب أن نبتعد عن كل الدعوات الشاذة التي تريد أن تهدم مجتمعاتنا العربية والإسلامية

بل ربما يتمّ اختيار أشخاص ليسوا بالكفاءة والأصل أن يتساوى الجميع الذكر والأنثى في الفرص حتى يأخذوا حقهم الطبيعي في الاختيار.

ويتابع الخبير الأسري حديثه بالقول: من الأمور الأخرى أيضًا، أنّ مفهوم الشذوذ الذي فرضته الأمم المتحدة، بل نجد أنّ رؤساء دول عظمى نادوا بذلك، وعملوا علمًا خاصًا بالشذوذ وفرضته الأمم المتحدة وجعلت هذا الشذوذ حقًا من حقوق الإنسان، في حين نجد أنّ الغرب يكتشف متأخرًا أن الشذوذ والدعوة له وممارسته من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى انهيار المجتمعات لأن الشذوذ يعني عدم الإنجاب، وممارسة الرذيلة بين أبناء الجنس ذاته، وهذا سيكون له تأثير سلبي كبير في المستقبل على السكان وعلى الأسر.

ويقول سرحان: لذلك نجد الكثير من المجتمعات الغربية الآن تعاني، من تناقص عدد السكان، في حين أنّ الزواج الشرعي هو السبيل الوحيد لبقاء البشرية، وتكاثرها بطريقة شرعية صحيحة، بعيدة عن ممارسات شاذة، بعيدة عن تكاثر أبناء الزنا – لا سمح الله – وهذا يرتب على الدول أعباء كبيرة، لا سيما وأن تناقص السكان له آثاره الاقتصادية الكبيرة، وأيضا وجود أبناء غير شرعيين له آثاره الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة على المجتمعات.

قوة  المجتمعات مرهونة بقوة الأسرة

ويشدد على أنّ الأسر القوية من أهم أسباب قوة المجتمعات وقوة الأمم أيضًا، وهذا التقرير يرينا حصاد وآثار ما قامت به بعض الدول الغربية، وبعض المنظمات التي كانت شاذة في أفكارها، ولذلك وصلت عندهم الأمور إلى هذا الحد.

ويحذر سرحان من أنّ مفهوم الحرية الشخصية، بما فيه حق الإنسان في أن يتصرف بجسده، هذه أيضًا من المفاهيم الخطيرة أيضًا، فليس من حق الإنسان أن يتصرف بجسده كما يريد؛ بل هناك ضوابط، فهذا الجسد أمانة لدى الإنسان ويجب أن يتصرف بجسده وفق ما يترتب على هذه الأمانة من مسؤوليات وحقوق.

كما يلفت إلى أنّ مفهوم الصحة الإنجابية التي طالما يتغنّى بها كثير من المجتمعات والدول، وللأسف ينفق عليها كثيرًا، هذا من المفاهيم الخطيرة التي تسعى لشرعنة الشذوذ وتسمح للشخص أن يقوم بما يريد ضون ضابط أو رقيب، لا من ناحية دينية وأخلاقية، ولا حتى من ناحية صحية.

ويتابع بالقول: أيضًا هذا يدعونا لإعادة النظر فيما يسمى مؤسسات تنظيم الأسرة، فالإسلام نظّم الأسرة بشكل طبيعي، لكن ما يحصل الآن هو الحرص على إنقاص عدد السكان لنسب معينة، بوسائل جزء منها قد لا يكون شرعيًا، وجزء آخر منها قد لا تكون وسائل صحية مأمونة مثل توزيع موانع الحمل، والحرص الكبير على تأخير الحمل، وتأخير سنّ الزواج لسن متقدمة، تصبح فيه فرصة الإنجاب ليست بالفرصة الكبيرة.

وينوه بالقول: لذلك علينا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أن نهتم كثيرًا بأن نحافظ على نسيجنا الاجتماعي، وأن نحافظ على الأسرة قوية، وأن نبتعد عن كل الدعوات الشاذة التي تريد أن تهدم مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ويقول سرحان: نحن بفضل الله لدينا من عوامل ال قوة الشيء الكثير، ومن أهم هذه المقوات وجود الأسرة القوية التي تقوم على الزواج الشرعي الصحيح بين ذكرٍ وانثى، ومن خلالها يتم الإنجاب، وهذا يضمن سعادة الأفراد وسعادة المجتمع وقوة الأمة ومتانتها، ويضمن أيضًا استمرار البشرية، لأنّ اليوم كثير من الدول الغربية وكما يوضح التقرير، أصبح الطلب على الملاجئ للعجزة وكبار السن ودور الإيواء، أكثر من الطلب على المدارس، وهذا مؤشر خطير.

ويختم بالقول: نحن في عالمنا الإسلامي هناك بر الوالدين واحترامهم، وهناك رعاية الكبير، كلها قيم إسلامية نحن الأصل يجب أن نكون حريصين على تصديرها للآخرين، لا أن نأخذ منهم ما يريدون، وهذا الذي عملوا عليه لسنوات، للأسف الشديد نرى آثاره السلبية الآن.

المجتمعات الأوروبية تحصد ثمار التفكك الأسري

يتجاوز متوسط أعمار السكان في عدة بلدات شمال إيطاليا الـ60 عاما، وهو ما يجسد مثالا حيا على شيخوخة أوروبا. وحسب دراسة لمعهد الإحصاء الإيطالي في إبريل/نيسان الماضي تستعد عدة مصانع في البلاد لإغلاق أبوابها، بسبب نقص الشباب القادر على العمل، بحسب “الجزيرة نت”.

هذا الانهيار الديمغرافي كما سمته صحيفة لوفيغارو الفرنسية لا يعود، حسب الدارسين، لتخلف علمي ولا لتقهقر اقتصادي، وإنما مرده بالدرجة الأولى إلى تداعيات انتشار ممارسات وأفكار شاذة في أوروبا مثل الشذوذ الجنسي، والنسوية التي شجعت، حسب دراسة للباحثة جون جونسون لويس نشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، على تقويض النظام الأسري، وحاربت مفاهيم الأسرة والأبوة والأمومة والزواج وحتى الأنوثة والذكورة، حسب ذات الدراسة.

ورفع أصحاب تلك الأفكار، مدعومين بشكل معلن من هيئات الأمم المتحدة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، شعار الحرية الفردية المطلقة والمساواة بين الجنسين، بل إن القرارات الأممية والقوانين الأوروبية فتحت الباب لحماية ونشر جنس بشري ثالث، كما تقوم بتشجيع كل من يريد التحول من جنس لآخر.

وتؤكد الإحصاءات السكانية في دول الاتحاد الأوروبي أن هذه الدول بدأت جني حصاد هذه الأفكار داخل المجتمع الأوروبي، حيث ساد التفكك الأسري وانخفضت المواليد وزادت معدلات الانتحار، حسب آخر الإحصاءات.

معطيات تهدد بالفناء

وفقا لدراسة نشرتها صحيفة لوفيغارو الفرنسية في يناير/كانون الثاني 2024، فإن دولا أوروبية في مقدمتها إيطاليا تواجه شبح الانهيار الديمغرافي، وتؤكد الدراسة أن معدل الخصوبة في أوروبا انخفض لدرجة لم يعد معها تجديد الأجيال مضمونا، ففي إيطاليا مثلا وصل معدل الخصوبة إلى 1.2 طفل لكل امرأة، وهو معدل منخفض جدا ترجعه الدراسة إلى عزوف عن الإنجاب أو تأخيره. وبدأت النساء الإيطاليات هذا السلوك منذ سبعينيات القرن الماضي.

وتضيف الدراسة أن إيطاليا التي سجلت مليون ولادة في عام 1964 لم تسجل في عام 2022 سوى 393 ألف ولادة، مقابل نحو 700 ألف وفاة في السنة نفسها.

وحسب تقرير آخر صادر سنة 2023 عن مكتب الإحصاءات الأوروبي “يوروستات”، فقد تباطأ معدل نمو سكان الاتحاد الأوروبي تدريجيا في العقود الأخيرة. كما لوحظ خلال العشرية الأخيرة أن عدد الوفيات صار يزيد على أعداد المواليد، وبات كبار السن يشكلون أغلبية السكان، وهو ما يعتبره الدارسون الاجتماعيون تهديدا جديا بالفناء.

وفي ذات المنحى، تشير تقارير أوروبية إلى أن دور العجزة في بعض المناطق الفرنسية أصبحت مطلوبة أكثر من المدارس.

وحسب الدارسين، فإن تناقص أعداد المواليد والارتفاع المطرد في نسب من بلغوا سن الشيخوخة، سيعني أعباء اقتصادية كبيرة، حيث تقل الفئات المنتجة، وتزيد الفئات التي تحتاج الدعم والرعاية من الحكومة.

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email