عمّان – البوصلة
حذّر الكاتب والمحلل السياسي حلمي الأسمر من أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد أزمة فلسطينية داخلية أو تطورًا أمنيًا عابرًا، بل يمثل مسارًا استراتيجيًا إسرائيليًا طويل النفس، يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها عبر الطرد البطيء والخنق الاقتصادي وتدمير شروط الحياة، وصولًا إلى فرض الترحيل كأمر واقع.
وقال الأسمر، في منشور له على صفحته في موقع فيسبوك، رصدته “البوصلة”، إن شهادة الكاتبة الإسرائيلية اليسارية عميرة هاس في صحيفة «هآرتس» تكشف بوضوح أن إسرائيل تنفذ اليوم نموذج غزة ذاته في الضفة الغربية ولكن «بنسخة صامتة»، تقوم على استنزاف المدن وتقليص الجيوب الحضرية وتحويل السكان إلى عبء جغرافي يُدفع قسرًا نحو الرحيل.
وأشار إلى أن تساؤل هاس حول «الطرد النهائي إلى الأردن» لا يمكن اعتباره زلة قلم، بل يعكس نقاشًا حقيقيًا داخل العقل الاستيطاني الإسرائيلي، حيث يصبح الترحيل خيارًا عمليًا عندما تُستنزف المدن وتُخنق مقومات البقاء.
وأكد الأسمر أن الأردن بات في صلب هذه المعادلة، ليس كدولة مجاورة فحسب، بل كهدف وظيفي في التصور الإسرائيلي القديم–المتجدد، الذي يتعامل مع الأردن بوصفه «حيز امتصاص» للأزمة الديمغرافية الفلسطينية، مع تصاعد غير معلن للضغط لتحويله إلى البديل الصامت: بديل الأرض والدولة والحل.
وأوضح أن خطورة هذا المخطط تكمن في أنه لا يحتاج إلى قرار حرب أو إعلان رسمي، بل يكفي استمرار الخنق حتى يُعاد تسويق النزوح قسرًا كـ«خيار إنساني» في الخطاب الدولي.
وفي رده على سؤال حول قدرة الأردن على المواجهة، رأى الأسمر أن الأردن ليس عاجزًا، لكنه مقيّد ومتردد، ولا يستخدم سوى جزء محدود من أوراق الضغط المتاحة لديه. وبيّن أن من أبرز هذه الأوراق دور الأردن في ضمان الاستقرار الحدودي الذي تحتاجه إسرائيل، معتبرًا أن أي اهتزاز سياسي في هذا الدور من شأنه خلق قلق استراتيجي حقيقي في تل أبيب وواشنطن.
كما أشار إلى اتفاقية وادي عربة، معتبرًا أنها ليست قدرًا نهائيًا، بل عقدًا سياسيًا قابلًا لإعادة التفسير والمراجعة، وأن مجرد نقلها من «منطقة المحرمات» إلى «منطقة المراجعة» يشكّل ضغطًا نفسيًا وسياسيًا ملموسًا.
وتوقف الأسمر عند ورقة الوصاية الهاشمية على المقدسات، مؤكدًا أنها ليست رمزية، بل تمثل نقطة تماس مباشرة مع المشروع الاستيطاني في القدس، وأن أي تحرك دبلوماسي وقانوني جدي بشأنها من شأنه إرباك المسار الإسرائيلي وضرب أحد أعمدة شرعنته.
وأضاف أن الأردن يملك أيضًا أوراقًا تتعلق بالحدود والعبور والتنسيق الاقتصادي والأمني، يمكن استخدامها بمرونة تصاعدية لإيصال رسالة واضحة مفادها أن نقل الأزمة إلى الأردن يعني نقل كلفتها، وأن المملكة ليست «صندوق تفريغ مجانيًا».
واعتبر الأسمر أن أخطر ورقة يمتلكها الأردن، ويتردد في استخدامها، هي الموقف السياسي الصريح، القائم على إعلان واضح بأن أي تهجير قسري نحو الشرق يُعد عملًا عدائيًا مباشرًا يمس الأمن الوطني الأردني ويستوجب تغييرًا جذريًا في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
وحذّر من أن الخطر الحقيقي لا يأتي فقط من السياسات الإسرائيلية، بل من وهم أن الزمن يعمل لصالح الأردن، مؤكدًا أن مرور الوقت دون رفع الكلفة السياسية يجعل الترحيل أكثر قابلية للتسويق والقبول الدولي بوصفه «أمرًا واقعًا».
وختم الأسمر بالقول إن مواجهة مشروع الضمّ والترحيل في الضفة يجب أن تتم اليوم باعتباره تهديدًا إقليميًا لا أزمة فلسطينية فقط، محذرًا من أن التأخير سيضع الأردن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانخراط القسري في حل لم يصنعه، أو الدخول في صدام متأخر بعد أن تكون الوقائع قد تغيّرت.



